الإختراق الاستعماري من خلال الأقليات الدينية

الإختراق الاستعماري من خلال الأقليات الدينية

منذ الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة، نشهد مخططاً معادياً لوحدة الأمة، يريد أن يحول “نعمة التعددية” إلى “نقمة”! وأن ينتقل بطوائف الأقوام والملل والمذاهب من “لبنات” في بناء الأمة الواحدة إلى “ثغرات” في جدار الأمن الوطني والقومي والحضاري ..

بدأ ذلك المخطط بمحاولات بونابرت (1769 – 1821) مع نفر من أقباط مصر ابان الحملة الفرنسية عليها (1213 هـ 1897 م) .. عندما أغرى جماعة من “أراذل الأقباط” – كما سماهم الجبرتي (1167 – 1237 هـ 1754 – 1822) .. فأقاموا فيلقاً قبطياً، شارك مع الجيش الفرنسي في القهر الاستعماري لمصر وفي إخماد ثوراتها وانتفاضات مدنها وقرها ضد الغزاة .. وكانت قيادة هذا الفيلق “للمعلم” يعقوب حنا (1158 – 1216 هـ 1745 – 1801م) – الذي نبذته كنيسته القبطية .. وجعله الفرنسيون “جنرالاً”! .. وسماه الجبرتي “يعقوب اللعين”!

ولقد استهدفت هذه المحاولة البونابرتية – وحدة الأمة عندما أرادت سلخ مصر – باسم “الاستقلال” عن محيطها العربي الإسلامي وقطع روابطها بهويتها الحضارية وتراثها الإسلامي، وذلك بإلحاقها بالغرب، وإحلال التشريعات التي ترضى عنها فرنسا محل شريعة الإسلام – التي تمثل سمة من سمات وحدة الأمة الإسلامية .. وكانت تلك أقدم محاولات التفتيت للأمة في عصرنا الحديث.

وتزامنت مع هده المحاولة، دعوة بونابرت سنة 1799م للطوائف اليهودية – التي نعمت في الحضارة الإسلامية بما لم تحلم به من حضارة أخرى – دعوته كي تتحالف مع جيشه الغازي ومشروعه الاستعماري، فتقوم بدور “ثغرة الاختراق” و”موطئ القدم” وذلك مقابل تمكينهم من فلسطين .. فأصدر بونابرت نداءه لهده الطوائف اليهودية أثناء حصاره لمدينة “عكا” .. فقال:

“من نابليون بونابرت، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وأسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.

أيها الإسرائيليون أيها الشعب الفريد .. انهضوا بقوة، أيها المشردون في التيه .. لابد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة.

إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل .. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به .. قد اختار القدس مقراً لقيادته وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة، التي استهانت طويلاً بمدينة داود وأذلتها..

يا ورثة فلسطين الشرعيين إن الأمة الفرنسية .. تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء ..!! “

فكما بدأ المشروع الاستعماري الغربي فتح ثغرات الاختراق والتفتيت على جبهة أقباط مصر .. بدأ فتح ثغرة ثانية على جبهة الطوائف اليهودية .. ساعياً إلى تحويل “نعمة التعددية” إلى “نقمة التشرذم والتفتيت”!..

وبعد هزيمة مشروع بونابرت .. واصلت إرساليات التنصير الديني والتغريب الثقافي – الفرنسية – محاولات الاختراق والتفتيت، بالعمل على تحويل بعض الطوائف والمذاهب والملل إلى ثغرات اختراق تفتت وحدة الأمة، وتهدد أمنها الوطني والقومي والحضاري .. فمدارس الإرساليات الفرنسية في الشام، استهدفت – كما عبرت عن ذلك مراسلات قناصلهم – “جعل سوريا – (أي الشام الكبير) – حليفاً أكثر أهمية من مستعمرة”! و”تأمين هيمنة فرنسا على منطقة خصبة ومنتجة”! وتحويل الموارنة إلى “جيش متفان لفرنسا في كل وقت”! وذلك وصولاً إلى “جعل البربرية العربية – (كما قالوا)! – تنحني لا إرادياً أمام الحضارة المسيحية لأوروبا”!!

وما حاوله الفرنسيون مع الموارنة، حاوله الإنجليز مع الدروز، في ذات التاريخ!.. وحاولوه مع اليهود عندما أرادوا استخدامهم في فلسطين سداً أمام مشروع مصر، بقيادة محمد علي باشا (1184 – 1265 هـ 1770 – 1849 م) لتجديد شباب الشرق، وعلاج أمراض الدولة العثمانية .. فكتب وزير الخارجية الإنجليزي “بالمرستون” إلى سفيره في “استانبول” اللورد “بونسونبي” في 11 أغسطس سنة 1840م يقول له: “عليك أن تقنع السلطان وحاشيته .. بأنه إ>ا عاد الشعب اليهودي تحت حماية السلطان ومباركته إلى فلسطين فسوف يكون ذلك مصدر ثراء له، كما أنه سوف يكون حائلاً بين محمد علي أو أي شخص آخر يحالفه وبين تحقيق خطته الشريرة في الجمع بين مصر وسوريا..!!” فالهدف هو التفتيت للأمة، بتوظيف اليهود عقبة ضد “الجمع بين مصر وسوريا”!.. وكذلك، سعى الإنجليز إلى ما سبق وسعى إله بونابرت – فمقاصد المشروع الغربي واحدة .. مع اختلاف المحتكر للثمرات!.. وذلك عندما استهدفوا علاقة أقباط مصر بمسلميها .. عن طريق العداء للاثنين ومحاولات ضرب الجميع .. وذلك بإقامة قواعد اختراق للتنصير، وفق المذاهب النصرانية الغربية تارة، وبغرس وتنمية الشقاق الطائفي مع المسلمين تارة .. وبالعداء لوحدة الأمة في مل الأحايين – فاللورد كرومر (1841 – 1917م) – المعتمد البريطاني في مصر – تزعجه وحدة الأمة – أقباطها ومسلميها – في منظومة القيم، حتى ليتعذر التمييز بين القبطي والمسلم فينتقد دينيهما! ويحدد أن العدو بالنسبة له هو الطابع الشرقي للحضارة، الذي يميزها عن الحضارة الغربية الغازية .. فيقول: “ام مسيحية القبطي محافظة – (جامدة) – بقدر ما هو إسلام المسلم. والقبطي غير قابل للتغيير – (التقدم) – .. وهذا راجع لا لأنه قبطي، بل لأنه شرقي، ولأن ديانته التي تسمح بالتقدم قد حوصرت بأخلاط معادية للتقدم .. وإذا كان المسلم لم يصبح مسيحياً على أي وجه من الوجوه، فإن القبطي قد أصبح مسلماً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في المسلك الأخلاقي واللغة والروح”!

فعدو كرومر – المعتمد البريطاني للاستعمار الإنجليزي في مصر – هو وحدة الأمة والحضارة، التي جعلت الجميع شرقيين، بصرف النظر عن الملل والشرائع والتي جعلت النصراني المصري متوحداً مع المسلمين في المسلك الأخلاقي واللغة والروح!

عندما أخذ مخطط بونابرت مع اليهود – والذي تبناه الإنجليز إبان تصاعد دورهم الاستعماري في الوطن العربي – عندما أخذ هذا المخطط طريقه إلى التطبيق في أرض الواقع .. عبر وعد بلفور سنة 1917م .. والانتداب البريطاني على فلسطين (1920 – 1948م) .. وقيام الدولة الصهيونية سنة 1948م .. أصبح لهذه الدولة – كقاعدة غربية في قلب وطن الأمة – مخططها للتفتيت والتفكيك، والذي يستهدف إلغاء الأمة، وتحويلها إلى ركام من الطوائف والملل والنحل والمذاهب والأقوام والأعراق.

ولأن الإسلام هو عامل التوحيد الأول لهذه الأمة، فلم يقف مخطط التفتيت الصهيوني عند دائرة الأمة العربية، وإنما امتد ليشمل عالم الإسلام، من شبه القارة الهندية إلى المغرب الأقصى على شاطئ الأطلسي!.. فكانت الخطة التي صاغها المستشرق الصهيوني برنارد لويس “Bemard Lewis ” والتي نشرتها مجلة Executive Intelligent Research Project والتي تصدرها وزارة الدفاع الأمريكية – البنتاجون – والتي يخطط فيها – “لتقسيم الشرق إلى دويلات أثنيه أو مذهبية” .. وبموجب تلك الخطة يدعو برنارد لويس إلى:

  • ضم إقليم بلوشستان بالباكستاني إلى مناطق البلوش المجاورة في إيران، وإقامة دولة بلوشستان.
  • ضم الإقليم الشمالي الغربي من الباكستان إلى مناطق البوشتونيين في أفغانستان، وإقامة دولة بوشتونستان.
  • ضم المناطق الكردية في إيران والعراق وتركيا، وإقامة دولة كردستان.
  • أن اقتطاع المناطق الكردية والبلوشية من إيران، يفتح ملف التقسيم الداخلي لإيران، في ضوء الواقع الإثني، مما يحقق إقامة الدويلات التالية:

أ. دويلة إيرانستان.

ب. ودويلة أذربيجان.

ج. ودويلة تركمانستان.

د. ودويلة عربستان.

  • وإقامة ثلاث دول في العراق:

أ. إحداها كردية سنية في الشمال.

ب. والثانية سنية عربية في الوسط.

ج. والثالثة شيعيى عربية في الجنوب.

  • إقامة ثلاث أو أربع دويلات في سوريا:

أ. منها واحدة درزية.

ب. وثانية علوية “نصيرية”.

ج. وثالثة سنية.

  • تقسيم الأردن إلى كيانين:

أ. أحدهما للبدو.

ب. والآخر للفلسطينيين “دون الإشارة للضفة الغربية للأردن، .. التي ستضمها إسرائيل”..

  • أما العربية السعودية، فسوف يحسن إعادتها إلى الفسيفساء القبلية التي كانت فيها قبل إنشاء المملكة سنة 1933م، بحيث لا يعود لها من الوزن سوى ما للكويت والبحرين وقطر وإمارات الخليج الأخرى!..
  • يعاد النظر في الجغرافيا السياسية للبنان، على أساس إقامة:

أ. دويلة مسيحية.

ب. ودويلة شيعية.

ج. ودويلة سنية.

د. ودويلة درزية.

ه. ودويلة علوية.

  • تقسيم مصر إلى دولتين على الأقل:

أ. واحدة إسلامية.

ب. والثانية قبطية.

  • يفصل جنوب السودان عن شماله، لتقام فيه:

أ. دولة زنجية مستقلة في الجنوب.

ب. ودولة عربية في الشمال.

  • يعاد النظر في الجغرافيا السياسية للمغرب العربي، بحيث تقام للبربر أكثر من دولة حسب التوزع والانتماء القبليين.

كذلك يعاد النظر في الكيان الموريتاني، من خلال الصراع القائم بين العرب والزنوج والمولدين وبعد هذا التخطيط، الذي يضيف إلى “تجزئة وتفتيت “سيكس – بيكو” سنة 1916″ أكثر من ثلاثين دويلة عرقية، ودينية، ومذهبية .. يضيف برنارد لويس قوله: “إن الصورة الجغرافية الحالية للمنطقة لا تعكس حقيقة الصراع، وأن ما هو على السطح يتناقض مع ما هو في العمق: على السطح كيانات سياسية لدول مستقلة، ولكن في العمق هناك أقليات لا تعتبر نفسها ممثلة في هذه الدول، بل ولا تعتبر أن هذه الدول تعبر عن الحد الأدنى من تطلعاتها الخاصة”!..

فالمخطط لا يرى إلا الصراع .. وهو يريد تفتيت الأقوام والملل والمذاهب إلى دويلات، ليس لها أدنى مقومات الدول .. كل ذلك لحساب جعل الطوائف اليهودية، التي لا تجمعها روابط الأمة الواحدة، والتي لم تقم، عبر تاريخها الطويل دولة متحدة، كل ذلك لحساب أن تصبح هذه الطوائف الدولة المهيمنة على وطن العروبة وعالم الإسلام!..

نعم، يفصح برنارد لويس عن هذا المقصد، فيقول في هذا المخطط: “ويرى الإسرائيليون أن جميع هذه الكيانات، لن تكون فقط غير قادرة على أن تتحد، بل سوف تشلها خلافات لا انتهاء لها على مسائل الحدود وطرقات ومياه، ونفط، وزواج، ووراثة، الخ .. ونظراً لأن كل كيان من هذه الكيانات سيكون أضعف من إسرائيل، فإن هذه ستضمن تفوقها لمدة نصف قرن على الأقل”!..

ففي سبيل العلو الإسرائيلي، الموظف لحساب المشروع الغربي، يكون التخطيط والتنفيذ لتفتيت وحدة الأمة الإسلامية إلى ذرات من الأقوام والملل والنحل والمذاهب والطوائف والأعراق والألوان!..

د. محمد عمارة
نشرت في باب “نظرات إسلامية” بمجلة “عقيدتي” عدد الثلاثاء غرة ربيع الأول1420هـ، 15 يونيو 1999م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: