الراحل النبيل عبدالرحمن السميط بقلم عبدالمحسن الخرافي

الراحل النبيل: عبدالرحمن حمود سليمان السميط (2/1)

تم النشر في 2013/08/24
بعد السلام

فقدت الكويت، بل فقدت الإنسانية جمعاء، رائداً من رواد العمل الخيري، هو الداعية النبيل د. عبدالرحمن حمود سليمان السميط، الذي رحل عن عالمنا الدنيوي إلى عالمه السماوي يوم الخميس الماضي الموافق 15 أغسطس.

ولد النبيل السميط في الكويت سنة 1947، وكان من أوائل من حصلوا على بكالوريوس الطب والجراحة في الكويت، ورغم أنه استكمل دراسته العليا في كندا، وتخصص في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، فإنه أبدع في مجال آخر وهو مجال العمل الخيري والإغاثي، حيث أسس جمعية «العون المباشر»، التي كانت تسمى ب‍‍ـ «لجنة مسلمي أفريقيا» وقبلها «لجنة مسلمي ملاوي».

وكان تميز الداعية السميط في العمل الإغاثي والخيري في أكثر من جانب، فقد تميز نوعياً وجغرافياً بأنه اختار منطقة لم تكن محط اهتمام كبير في العمل الخيري من جانب العالم الإسلامي، وهي قارة أفريقيا، وهي أصعب القارات في هذا المجال، حيث بدأ بلجنة ملاوي، والتي شرفت بالتعاون معه فيها على مستوى الدعم الرمزي للاستقطاعات الشهرية منذ بدايات عمله فيها، ثم امتد نشاطه، رحمه الله، إلى قارة أفريقيا بشكل عام.

وتميز كذلك د. عبدالرحمن السميط، رحمه الله، في أنه يعد أول من أدخل نظام الاستقطاعات الخيرية من البنوك لمصلحة العمل الخيري، فيسر مهمة الإنفاق في سبيل الله بحيث لا يحتاج المحسن سوى الاتفاق مع الجمعية الخيرية لتتلقى بعدها تلقائياً تبرعاته الثابتة من حسابه البنكي.

كما كان د. عبدالرحمن السميط من أوائل من أبدعوا فكرة إعداد تقرير دوري عن اليتيم لكافله، ليوجد علاقة تبن معنوي بينهما، فقد كان يزود الكفيل بتقرير دوري فيه صورة اليتيم ومستوى تعليمه وتقرير دراسي مختصر عنه، الأمر الذي يزيد الارتباط باليتيم، حتى إذا بلغ سن الحلم واعتمد على نفسه أكثر، أبدله بيتيم آخر، وهكذا، وقد جسّد هو بنفسه هذه العلاقة، حتى أنه جاءه يوماً وزير خارجية إحدى الدول الأفريقية لزيارته فوجد عضواً في الوفد يحتضنه ويقبل رأسه، خلافًا للأعراف الدبلوماسية، وحين استفسر منه عما دفعه إلى ذلك، أنبأه أنه أحد اليتامى الذين رعاهم منذ صغره، وأنه الآن يعمل سفيراً لبلده في الكويت، وكان قبلها سفيراً لبلده في المملكة العربية السعودية!

وقد وصل كذلك أحد اليتامى الذين كفلتهم جمعية «العون المباشر» في دولة ملاوي إلى منصب وزير الدفاع ثم نائباً لرئيس الجمهورية!

فقد كان منهجه، رحمه الله، في كفالة الأيتام متفرداً، حيث كان لا يقتصر فقط على إطعامهم وتوفير المأوى والملبس لهم، بل كان يستهدف أن يكونوا في المستقبل مسلمين مصلحين، وقد وصل عدد الأيتام الذين ترعاهم جمعية «العون المباشر»، كما صرّح بنفسه، إلى 15 ألف يتيم!

ويرتبط بما سبق أن د. عبدالرحمن السميط، رحمه الله، كان يستثمر العمل الخيري في الدعوة إلى الإسلام، حتى أنه قد دخل الإسلام على يديه نحو 11 مليون شخص، فضلاً عن عمله على توعية المسلمين بدينهم في هذه المناطق التي انتشر فيها الجهل بكل شيء، حتى أنه روى أنه وجد أئمة مساجد يزنون في المسجد لجهلهم أن الزنى حرام! كما وجد منهم من لا يعرف الفاتحة ناهيك عن أن يجيد قراءتها!

وكان منهجه، رحمة الله عليه، في دعوته لا يعتمد فقط على تقديم الدعم المادي للفقراء، بل كان يلجأ إلى أسلوب ذكي يعتمد على مقولة إن الناس على دين ملوكهم، فقد كان يذهب إلى أمراء القبائل ويدعوهم إلى الإسلام ويقنعهم باعتناقه، فيسلموا وتسلم معهم قبائلهم، ما أدى إلى اعتناق الملايين الإسلام على يديه، ولولا إخلاصه وذكاؤه، بفضل الله، ما أسلموا، ولا أزكيه على الله!

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajkharafi@yahoo.com

=======================
الراحل النبيل .. د. عبد الرحمن حمود سليمان السميط (2/2)

تم النشر في 2013/08/25
بعد السلام

استكمالا لحديثي الذي بدأته في مقالي السابق عن الفارس النبيل د. عبد الرحمن السميط الذي رحل عن دنيانا الفانية منذ أيام، فإن من المجالات التي تميز فيها كذلك هذا الداعية المبدع أنه لم يقتصر على متابعة أعماله الخيرية من مكتبه، ولكنه آثر أن ينزل إلى العمل الميداني بنفسه، فكان يقضي في العام ما يزيد على عشرة أشهر في أفريقيا، حتى أن أولاده كانوا يستغربونه، فاضطر إلى أن يأخذهم معه في سفرياته هناك في إجازاتهم الصيفية، وفي أماكن لا يتوافر فيها الحد الأدنى من أساسيات المعيشة، وهو الذي كان يمكنه أن يأخذهم إلى أفخم الأماكن السياحية في العالم!

ولم تقتصر عطاءات أسرته على ذلك، بل ان زوجته كانت قد ورثت مبلغاً كبيراً عن والدها رحمه الله، فتبرعت به كله لأعمال الخير، وصاحبت زوجها في رحلته، وصبرت عليه وثابرت، بل واستمتعت بلذة العطاء للفقراء والتضحية من أجلهم، حتى أنها قضت معه في كندا، لاستكمال دراسته، خمس سنوات، لا تمتلك إلا ثوبين فقط، ترتدي أحدهما وتغسل الآخر، رغم قدرتهما على شراء ألفي ثوب!

لقد كان السميط، رحمه الله، قدوة لأسرته وللناس، فبالرغم من قدرته على شراء سيارة كل عام، فإنه أبقى معه سيارته سبعة عشر عاماً من دون أن يغيرها، فما السر في ذلك الزهد؟

لقد كان النبيل د. عبد الرحمن السميط يرى أن السعادة الحقيقية لا تنبع من حسابات البنوك، بل من الشعور برضا ملك الملوك، وكان يقول انه إذا كان البنك يعطيك ربحاً حوالي %6 على ودائعك فيه، فإن الله سبحانه يعطيك عنها ما قد يصل إلى سبعمائة ضعف، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف..» (متفق عليه).

إننا أمام حالة نادرة من إنكار الذات لله تعالى، وإخلاص من الصعب أن تجده في عالمنا، ولولا ذلك ما استطاع هذا الرجل أن يسهم في بناء 5770 مسجداً، ويحفر 9500 بئر، ويؤسس 860 مدرسة، وأربع جامعات، ويكفل 15 ألف يتيم، ويُنشئ 204 مراكز إسلامية، تكلفة الواحد منها مليون دولار على الأقل!

لا تتعجب أخي القارئ، ولا تندهشي أختي القارئة، فإن هذا ما يفعله المؤمنون المخلصون المهمومون بالمسلمين وفقرائهم وذوي الحاجة منهم الذين يدركون حق الإدراك قيمة الدنيا، وانها دار ممر لا دار مقر، فحرص أن يكون مروره طيباً معطاءً مبدعاً في عطائه!

إنني أحسب أن هذا الفارس النبيل قد مات شهيداً، فإن جسده الطاهر قد أصيب بأمراض كثيرة نتيجة اختلاطه بمساكين أفريقيا، الذين تنتشر في بلادهم الأوبئة والطاعون، ومنها الملاريا التي أصيب بها، ولذلك فإنه مات مبطوناً، وفي حديث الصحيحين: «الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله»!

ولعل القاسم المشترك بين هؤلاء الشهداء حكماً هو المؤثر الخارجي الذي وقع على أجسادهم، فابتلاهم الله سبحانه بهذا المصاب الذي حل عليها، سواء كان غرقا أو حرقا أو طاعونا أو داء بطن، وبالتالي فكلها تتشابه مع ما حل بجسد د. عبد الرحمن السميط من ملاريا وأمراض مزمنة قللت مناعته وأصابت جسده النحيف في مقتل!

إن الحديث عن د. عبد الرحمن السميط لا تكفيه مثل هذه الكلمات في هذه العجالة ولا توفيه حقه، ولا أستهدف منها تكريمه، فإنه يكفيه التكريم الإلهي الذي سيحصل عليه بفضل الله ورحمته، ولكنني أردت فقط أن أعطي مؤقتاً بعض اللمحات المضيئة من حياة هذا الرجل، عسى أن تكون سبباً في الاقتداء به في عمل الخير والتجرد في العطاء لوجه الله تعالى، وأن تكون هادية إلى ضرورة الحفاظ على المشروعات التي أنشأها هذا النبيل وتنميتها!

فاللهم تقبل عندك الراحل إليك فقيدنا فقيد العمل الخيري د. عبد الرحمن السميط شهيداً، وارحمه رحمة واسعة، واجعل ما قدمه من خير في ميزانه.

والحمد لله رب العالمين.

د. عبد المحسن الجار الله الخرافي

ajkharafi@yahoo.com
==============

التعليق

نسأل الله الغفور الرحيم ان يغفر لعبده عبدالرحمن و يرحمه و والدينا و المسلمين ويدخلهم الجنة و يقيهم من النار
اللهم آمين

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: