لو كانت إمامة آل البيت [وصية واجبة من الله] فلماذا اختلف فيها الشيعة الأوائل الى عشرات الفرق المتناحرة


لو كانت إمامة آل البيت [وصية واجبة من الله] فلماذا اختلف فيها الشيعة الأوائل الى عشرات الفرق المتناحرة ؟؟!!

2012-09-05 :: من كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي..) لأحمد الكاتب ::

لماذا لم تكن هذه القائمة معروفة لدى الشيعة
في القرنين الأول والثاني الهجري؟

ملاحظات:

[1] كاتب هذا السطور هو خريج حوزة النجف وكان واحدا من أكبر دعاة التشيع
[2] هذا المقال مستل من الفصل الثاني في كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) للكاتب الشهير (محمد الكاتب).
[2] جميع مصادر هذا البحث هي المراجع الشيعية المعتمدة فقط
………………

يسجل المؤرخون الشيعة الامامية الأوائل (النوبختي والاشعري القمي والكشي) اول تطور ظهر في صفوف الشيعة في عهد الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب على يدي المدعو عبدالله بن سبأ الذي يقولون انه كان يهوديا وأسلم، والذي يقول النوبختي عنه انه اول من شهر القول بفرض امامة علي، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيا لموسى فقال كذلك في اسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه واظهر الطعن على ابي بكر وعمر وعثمان والصحابة.‍

وسواء كان عبدالله بن سبأ شخصية حقيقية أم اسطورية فان المؤرخين الشيعة يسجلون بوادر ظهور اول تطور في الفكر السياسي الشيعي اعتمادا على موضوع (الوصية) الروحية والشخصية الثابتة من الرسول الاكرم الى الامام علي، واضفاء المعنى السياسي عليها، وذلك قياسا على موضوع (الوصية) من النبي موسى الى يوشع بن نون وتوارث الكهانة في ابناء يوشع.

ومع ان هذا القول كان ضعيفا ومحصورا في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الامام علي، وان الامام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به، الا ان ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده ارضا خصبة للنمو والانتشار، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجهته هو عدم تبني الامام الحسن والحسين له واعتزال الامام علي بن الحسين عن السياسة، مما دفع القائلين به الى الالتفاف حول [محمد بن الحنفية] باعتباره وصي اميرالمؤمنين ايضا، خاصة بعد تصديه لقيادة الشيعة في اعقاب مقتل الامام الحسين، وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الامام الحسين بقيادة المختار بن عبيدة الثقفي .

وقد ادعى المختار الذي كان يقود الشيعة في الكوفة: ان محمد بن الحنفية قد أمره بالثأر وقتل قتلة الحسين، وانه الامام بعد أبيه، وبالرغم من سقوط دولة المختار بعد فترة قصيرة، الا ان الحركة الكيسانية التي التفت حول قائدها الروحي محمد بن الحنفية، اخذت تقول ان الامامة في ابن الحنفية وذريته، ولما حضرت الوفاة محمد بن الحنفية ولى ابنه عبدالله ابا هاشم من بعده وامره بطلب الخلافة ان وجد الى ذلك سبيلا، وأعلم الشيعة بتوليته اياهم، فأقام عبدالله بن محمد بن علي وهو امير الشيعة.

وفي نهاية القرن الاول الهجري تشرذمت الحركة الكيسانية من بعده الى عدة فرق يدعي كل منها انه اوصى اليه، فقد ادعى العباسيون ان ابا هاشم اوصى الى [محمد بن علي بن عبدالله ابن عباس]، وادعى الجناحيون انه اوصى الى [عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن ابي طالب] الذي ظهر في الكوفة سنة، وأقام دولة امتدت الى فارس في اواخر ايام الدولة الاموية.. وادعى الحسنيون انه اوصى الى زعيمهم [محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن]، ذي النفس الزكية .. !!

وعلى اي حال فقد تطور القول بالوصية من وصية النبي الأكرم العادية والشخصية الى الامام علي، الى القول بالوصية السياسية منه الى ابنه محمد بن الحنفية، ومن بعده الى ابنه ابي هاشم عبدالله، وهو ما ادى الى اختلاف الفصائل الشيعية المتعددة فيما بينها وادعاء كل منها الوصية اليه وحصر الشرعية فيه.

ثم دخل المعترك السياسي والفكري الامام [محمد بن علي الباقر] بعد وفاة ابيه السجاد، وقد خاض معركة مريرة لانتزاع قيادة الشيعة من ابن عمه ابي هاشم وأتباعه، وتثبيتها للفرع الفاطمي والبيت الحسيني، واعتبر ادعاء الامامة دون حق افتراء على الله، حتى وان كان المدعي من ولد علي بن ابي طالب.

وقد اعتمد الامام الباقر في الدعوة الى نفسه [لا على أساس الوصية الالهية مفترضة الطاعة]، وإنما باعتباره اولى من الجميع للثأر من مقتل جده الامام الحسين، وبالتالي قيادة الشيعة لتحقيق هذا الهدف، فكان يقول: (ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وكان يقول أنه ليس لولد جعفر فيها نصيب ولا لولد العباس ولا لأي بطن من بطون بني عبدالمطلب، ولا حتى لولد الحسن بن علي..!

أما (عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب) فكان ينكر حصر الامامة في البيت الحسيني، ويقول مستنكرا: [وكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب اهل الجنة ؟ وهما في الفضل سواء، الا ان للحسن على الحسين فضلا بالكبر، وكان الواجب ان تكون الامامة اذن في الافضل] ‍..!

وقد دخل على الامام الباقر ذات مرة اخوه [زيد بن علي بن الحسين] ومعه كتب من اهل الكوفة يدعونه فيها الى انفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فاختلف معه الامام الباقر، فغضب زيد عند ذلك.. ثم قال قولته المشهورة [ ليس الامام منا من جلس في بيته وارخى ستره وثبط عن الجهاد، ولكن الامام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه ] ..

وهذا الحوار الذي يرويه الكليني في (الكافي) يعبر عن احتجاج الامام الباقر على اخيه زيد بالعلم، قبل نشوء نظرية النص او الوصية في الامامة، حيث لم تكن نظرية (الإمامة) قد تبلورت لدى الشيعة في بداية القرن الثاني الهجري الى مرحلة الارتكاز على موضوع النص او الوصية، وكان عامة الشيعة ذلك الحين يجهلون [حق] الامام الباقر في الامامة ولا يكادون يميزون بينه وبين سائر اقطاب البيوت الحسنية والحسينية والعلوية والهاشمية، الذين كانوا يتصدون لقيادة الشيعة ويتنافسون عليها.

وقد نجح الامام محمد الباقر في تكوين قطاع خاص من الشيعة يؤمن بالولاء له، ولكنه سرعان ما تشرذم بعد وفاته، حيث ذهب فريق منهم الى اتباع اخيه الامام زيد بن علي، الذي اعلن الثورة ضد الخليفة الاموي هشام بن عبدالملك اعتمادا على نظرية (اولي الارحام) حيث قال: ان ارحام رسول الله اولى بالملك والامرة.. وذهب فريق آخر، بقيادة المغيرة بن سعيد، الى القول بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن ذي النفس الزكية الذي كان يعد نفسه للخروج ضد الحكم الاموي، بينما ذهب فريق ثالث الى اتباع الامام جعفر بن محمد الصادق..!

استطاع الامام الصادق ان يثبت إمامته وجدارته في قيادة الشيعة بما كان يتمتع به من خلق رفيع وعلم غزير ومحتد كريم، ولم يكن بحاجة ماسة للوصية او الاشارة اليه لكي يتبوأ ذلك المقام العظيم الذي احتله في المجتمع والتاريخ . ولكن نتيجة لعدم تمتع الامام الصادق بميزة (إلهية) خاصة، وعدم معرفة الشيعة في ذلك الزمان بأي نص الهي حوله بالامامة، فقد نمت الحركة الزيدية بقيادة عمه زيد بن علي الذي فجر ثورة في الكوفة، والتف الشيعة من بعده حول ابنه (يحيى بن زيد) الذي قام بثورة اخرى ضد النظام الاموي ..

وبعد فشل هاتين الثورتين بثلاثة اعوام تفجرت ثورة شيعية اخرى واسعة بقيادة احد الطالبيين هو¬ (عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار)، وهي الثورة التي عصفت بجماهير الشيعة في مختلف مدن العراق وامتدت الى الماهين وهمذان وقومس واصبهان والري وفارس ـ وقد كان شعار الثورة : (إلى الرضا من آل محمد) وهي دعوة عموم الشيعة في ذلك الحين، وقد اتخذ عبدالله ابن معاوية من اصبهان مركزا لدعوته وحركته ومناطق نفوذه، وبعث الى الهاشميين علويين وعباسيين يدعوهم اليه ليساهموا معه في ادارة البلاد التي سيطر عليها فقدم عليه منهم عدد كبير..!

و بعد فشل هذه الثورة ذهب الشيعة الى القول بامامة (محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ذي النفس الزكية) الذي كان يعد نفسه كمهدي منتظر، و قد بايعه عامة الشيعة بما فيهم العباسيون والسفاح والمنصور..!

أما العباسيون الذين انتصروا على الأمويين فقد قاموا بالانسحاب من الفكر الشيعي القديم وتعديل نظريتهم السياسية، وذلك باعادة صياغة مصدر الشرعية لنظامهم الوليد استنادا على اولوية جدهم العباس بن عبدالمطلب في وراثة الرسول من ابن عمه علي بن ابي طالب..

ويذكر المسعودي في ¬( مروج الذهب)¬ ان الراوندية وهم شيعة ولد العباس من اهل خراسان وغيرهم كانوا يقولون : ان رسول الله قبض، وان احق الناس بالامامة بعده العباس ابن عبدالمطلب، لانه عمه ووارثه وعصمته لقول الله عزرجل¬ (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) وان الناس اغتصبوه حقه، وظلموه امره، الى ان رده الله اليهم .. وقالوا: (لا امامة في النساء ولا يكون لفاطمة ارث في الامامة ولا يرث بنو العم وبنو البنت مع العم شيئا فيكون لعلي ولولد فاطمة ارث مع العباس في الامامة)..

وبالطبع فقد رفض محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية الذي كان زعيم الشيعة الأكبر في ذلك الحين ¬ النظرية العباسية الجديدة، كما رفض البيعة للسفاح والمنصور، وكتب المنصور له ردا مطولا على رسالته، جاء فيها: (واما قولك انكم بنو رسول الله فان الله تعالى يقول في كتابه¬ [وما كان محمد ابا أحد من رجالكم].. ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة، ولكنها لا تجوز الميراث، ولا ترث الولاية..!

ثم ظهر ذو النفس الزكية في المدينة واعلن انه احق ابناء المهاجرين في تولي الخلافة، واشار الى ان جميع الامصار الاسلامية قد بايعته، وقد حضي ببيعة اشراف بني هاشم، ويروي الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين) ¬ان الصادق سمح لابنيه موسى وعبدالله بالانضمام الى ثورة محمد بن عبدالله في المدينة وان محمدا أراد إعفاءهما من المشاركة فيها ولكن جعفرا أصر على ذلك كتعبير عن تأييده لحركة ذي النفس الزكية..!

لقد كانت قضية الثورة ضد الامويين تجمع بين مختلف فصائل الحركة الشيعية في اوائل القرن الثاني الهجري، ولم يكن عامة الشيعة يميزون كثيرا بين أئمة اهل البيت، ولذا فقد كانوا ينخرطون في اية حركة يقوم بها اي واحد منهم، وهذا سالم بن ابي حفص، الذي كان اول الدعاة الى امامة الصادق بعد وفاة ابيه، ينضم الى حركة زيد مع مجموعة من اصحابه، وقد كان سليمان بن جرير يقول: ان من شهر سيفه من اولاد الحسن والحسين وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الامام… وان عليا هو افضل الناس بعد الرسول وأولاهم بالامامة، ولكنه سلم الى الخلفاء الراشدين الثلاثة الاوائل الامر لهم راضيا، وترك حقه راغبا، فنحن راضون بما رضي، مسلمون بما سلم و قد اثبت امامة ابي بكر وعمر، باختيار الامة حقا اجتهاديا، وكان يقول : ان الامامة شورى فيما بين الخلق … وان الامة اخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأً لا يبلغ درجة الفسق وذلك الخطأ خطأ اجتهادي..

و كان ابو الجارود زياد بن ابي زياد الهمذاني الكوفي يوالي الامام الباقر في البداية ثم انتقل الى حزب اخيه زيد بن علي مع مجموعة كبيرة من اصحابه، وكان ينفي وجود نص صريح على الامام علي بالامامة، ويقول : انه كان بالوصف دون التسمية، وبناء على ذلك كان الجارودية يبنون نظريتهم في الامامة على اساس التصدي والخروج (الثورة) وليس على اساس النص، ويؤمنون باشتراك ولد الحسن والحسين في الامامة، ويرفضون تخصيص الحق بالامامة في ابناء الحسين فقط، وينكرون وجود اية نصوص حول ذلك .
…………………………………………….

الخلاصة: إن الامامة من ذرية الحسين عليهما السلام هي أصل من اصول الشيعة الاثني عشرية، وإذا انتفت مصداقية هذا الأصل فلم يعد هناك شيء اسمه التشيع.. والحوادث التاريخية المنصوص عليها في المراجع الشيعية كما في المقال أعلاه تبرهن لنا بوضوح أن أقرب الناس لأئمة آل البيت لم يعرفوا أية نصوص شرعية تلزمهم باتباع إمام دون آخر..

وإلا كيف يعقل أن يحاجج زيد بن علي شقيقه محمد الباقر بمعايير الامامة، ويختلف معه تمام الاختلاف، بل ويعيب عليه أن يدعي أحد من آل بيت النبوة الامامة وهو لايحمل السلاح بوجه الظلم..!
ولماذا لم يرد عليه الامام محمد الباقر بحديث نبوي صريح ينص على أنه هو الامام مفترض الطاعة..؟!
ولماذا تنوعت اجتهادات الناس في وقتها حول من هو الامام المتبع..؟
وإذا كان الامام الصادق يعلم يقينا أن الله ورسوله قد أوصوا به كإمام للأمة لايجوز الخروج على طاعته، فكيف يدفع ابنيه لمساعدة محمد ذو النفس الزكية (الذي كان يدعي الامامة وأنه المهدي المنتظر) في قتاله ضد العباسيين ؟؟

الجواب على كل هذا بسيط للغاية.. وهو أن أصل الامامة في التشيع مفبرك ومكذوب ولم يعرفه أنصار آل البيت في حينها وإنما أدخله علماء الفرس بعد ذلك في أصول الدين.. وإذا ألغينا أصل الامامة من التشيع باعتباره متناقضا مع تاريخ التشيع نفسه فإن فجوة كبيرة من خلاف الشيعة مع العالم الاسلامي سوف تردم، وسيكون ذلك أدعى لعودة شيعة العالم الى صف الأمة بعيدا عن الأحقاد والافتراءات والانحرافات العقائدية.
…………………………………………………………………………………………………………
* نرجو الاشارة الى موقع الرابطة العراقية عند إعادة نشر هذا الموضوع حرصا على الأمانة العلمية *

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: