ماهي دولة المؤسسات والقانون؟ الحكومة المنتخبة، الأحزاب، النظام الديمقراطي المتكامل

ماهي دولة المؤسسات والقانون؟

الحكومة المنتخبة، الأحزاب، النظام الديمقراطي المتكامل
رغم مرور 50 عاماً على العمل بالدستور، إلا أن التطور الديمقراطي في الكويت يسير ببطئ شديد، حيث انشغلت السلطة بالانقلاب على الدستور مرات عديدة، وانشغل الاصلاحيين بالدفاع عن هذه الوثيقة، وتطور هذا الخلاف الحاد واشتدت مشاهده على فترات، استغلها الفاسدون بالترويج أن هذه الحركات موجهة لأسرة الحكم، فهناك من يربط أسرة الحكم (آل الصباح) بالحكومة! ليوهم البسطاء أن الحراك السياسي يسير نحو الانقضاض على السلطة متهما ‘الاخوان’ تارة، وتارة أخرى دول خليجية شقيقة، رغم أن الدستور ينص بالمادة 56 على ‘يعين الأمير رئيس مجلس الوزراء, بعد المشاورات التقليدية، ويعفيه من منصبه، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بناء على ترشيح رئيس مجلس الوزراء، ويكون تعيين الوزراء من أعضاء مجلس الأمة ومن غيرهم، ولا يزيد عدد الوزراء جميعا على ثلث عدد أعضاء مجلس الأمة’، أي يجوز لسمو الأمير أن يكلف أي شخص سواء من أبناء الأسرة الحاكمة أو أعضاء مجلس الأمة أو من عامة الشعب بتشكيل الحكومة، إلا أن وسائل الإعلام الموالية صورت للبسطاء أن النقد اللاذع والجارح أحيانا لرئيس الوزراء كونه من أبناء الأسرة الحاكمة أنها انقلاب على الحكم! ساعدها بذلك أجهزة حكومية وجهت اتهامات بالجمل للمغردين والكتاب والنشطاء قضايا مساس بالذات الأميرية، سعيا منها للتضييق على الحريات.

نعود للموضوع الرئيسي، الناس تسمع عن المطالبة بحكومة منتخبة ورئيس وزراء شعبي واشهار أحزاب وكلها ضمن محاولات للوصول إلى نظام ديمقراطي متكامل تكون فيه السيادة للأمة، وجميع الاصلاحيون ينادون بدولة المؤسسات والقانون والدستور، فما هي دولة المؤسسات؟! دولة المؤسسات هي التي يكون فيها فصل تام بين المؤسسه التشريعية والمؤسسة القضائية والمؤسسة التنفيذية والقانون هو الذي يفصل بين تلك السلطات، وهنا نقصد بالقانون هو الدستور او الوثيقة التي نالت ثقة الشعب وفق آلية استفتاء او تصويت برلماني متفق عليه.

ومن فوائد دولة المؤسسات، شفافية السلطة وتنظيمها وتحديدها وفق اطار معروف مسبقا، دون اللجوء الى التكهنات أو عملية الترجل في تحديد المسؤليات والسلطات، والمؤسسة هي الشيء الثابت والبشر هم المتغيرون, والقانون فوق الجميع, والعدالة والمساواة هم أساس الحكم.

الكاتب ريمون بولان اختصر الشرح في دراسة له قدمها لجمعية حقوق الانسان الدولية تحت عنوان ‘الدولة هي الإرادة العامة التي تجسد المعقول في دستور وفي قوانين’ يقول فيها:

الدولة العصرية هي الهوية الجماعية للشعب بماضيها وحاضرها ومستقبلها. تبنى الدولة الحديثة على مؤسسات وليس على أفراد أو حزب. الأفراد والأحزاب يزولون أما المؤسسات فتبقى بعدهم ولأجيال كثيرة. الديمومة في الدولة تتجسد في ديمومة مؤسساتها . السياسي الذي يتعامل مع الدولة كملكية خاصة له، كما هو الحال في كثير من الديكتاتوريات العربية وغيرها، يقضي على مقومات بقائها. فزوالها بزوال مالكها. يجب أن تستند سلطة الحاكم على جملة معايير ومفاهيم وقيم وقوانين مجردة عن الفرد أو عن أي هيئة اجتماعية لها نفوذ على مصير الدولة والمواطنين.

السياسي المنتخب هو الموكّل عن حسن سير مؤسسات الدولة لتقدم أفضل الخدمات للمواطنين. فهي مستقلة عنه رغم أن له السلطة الشرعية لطلب تعديلها وتغييرها لتتلاءم مع العصر عن طريق المجلس التشريعي، أي مجلس النواب. مسؤولية الحاكم أمام المؤسسات كبيرة جدا. لا يصح له أخلاقيا وديمقراطيا أن ‘يتلاعب’ بتعكير سيرها وتقرير مصير بعضها بخفة وعدم مسؤولية. أي تطاول عليها جريمة في حق الشعب. على الحاكم ألا يتسرع، رغم أغلبيته البرلمانية، بشطب ما فعله الآخرون قبله والرجوع إلى نقطة الصفر في بناء جديد لمؤسسات تعكس رؤيته الخاصة. هذا يؤدي إلى هدر الطاقات والأموال والطعن بثقة الناس فيها. مثلا عندما تتدخل كل حكومة جديدة في تغيير برامج الدراسة لتتلاءم مع عقيدتها السياسية ولتمجيد ‘قائدها’ الجديد، يهدد هذا من جدية التربية ويعرّضها لنزوات السياسي الذي يحتقر ما تم قبله ويسخّر هذه المؤسسة لأغراض ضيقة بعيدة عن المصلحة العامة ومناقضة للديمقراطية. التربية هي العامود الفقري لكل مجتمع. فكل تغيير فيها يحتاج إلى روية ورؤية سياسية بعيدة المدى. ومن الضروري أيضا، للصالح العام، إبعاد الجهاز الإداري للدولة عن النزاعات السياسية الحزبية. بمعنى آخر يجب عدم خلط المسؤولية السياسية بالمسؤولية الإدارية.

لا يمكن عمل الدولة الديمقراطية دون بيروقراطيين وتكنوقراطيين. الإدارة البيروقراطية الحديثة هي أكثر أشكال الإدارة عقلانية. لأنها تتأقلم مع كافة الوظائف بسبب عملها المتواصل والدائم والمنظم رغم تغير الحكام. هذه البيروقراطية/التكنوقراطية تملك كل المعارف المتخصصة. البيروقراطية في النظام الديمقراطي حيادية لأن الموظف فيها يعمل ما عليه دون محاباة. البيروقراطية مفتوحة لكل الأفراد ذوي المؤهلات بدون تمييز عنصري أو طبقي أو ديني أو غيره.

لكن مما يشل أداء المؤسسات أيضا، وجود بيروقراطية سيئة غير فعّالة تحمي المنتفعين من السماسرة وتقبل الرشوة والابتزاز كأمر واقع. بذلك تبتعد المؤسسات عن خدمة المواطنين. من واجب السياسي النظر في تطوير مؤسسات الدولة لتصبح أكثر فعالية لخير المواطنين وترسيخ أخلاقيات جديدة وتحديد المسؤوليات بشكل واضح وبأقل ما يمكن من التعقيدات الإدارية. تمثل مؤسسات الدولة قسما كبيرا من نشاطات الناس ومعاملاتهم مع بعضهم البعض. فهي الرصيد والضامن لمستقبل الشعب. وهي ليست ملكية خاصة للبيروقراطيين. موظفو الدولة هم في خدمة الشعب وليسوا سادة عليه.

هناك أيضا ظاهرة التكنوقراطية وإمكانية تأثيرها السلبي في الحكم الديمقراطي. التكنوقراطية في السياسة هي حكم الخبراء، وبشكل أدق، تأثير الخبراء المتزايد في كافة المستويات السياسية. بسبب خبراتهم الكبيرة يوجهون بشكل مباشر أو غير مباشر القرارات السياسية للحاكم ويلعبون دورا هاما في أمور الدولة. التكنوقراطي يملك المعرفة الواسعة في مجاله. هذه المعارف هي في عصرنا مفتاح الحلول في كثير من الأمور السياسية وغيرها.

تناقض التكنوقراطية مع الديمقراطية ناتج عن تأثير ‘الخبراء’ في القرار السياسي دون أن يكونوا منتخبين. فالعمل السياسي يتحول من يد الحاكم إلى يد أناس يعملون من وراء الستار دون أي شرعية. يزداد تأثير التكنوقراطيين بتزايد صعوبة المشاكل المطروحة أمام السياسي وخاصة إن كان هذا الأخير ضعيفا وقليل الخبرة والثقافة العامة. فهو لا يستطيع مجابهة المختصين ولا يستطيع توضيح الخطط والأطر اللازمة لوضع سياسات واضحة المعالم والأهداف.

من واجب السياسي المفوض من قبل الشعب، أن يكون حذرا من التكنوقراطيين. عليه أن يوسع نطاق الاستشارات للوصول إلى رؤية أوسع للأمور وإيجاد أفضل الحلول وبهذا يضعف من تأثير كبار التكنوقراطيين عليه. من جهة أخرى على التكنوقراطي أن يتحلى بأخلاق عالية لكي لا يتعدى الحدود المرسومة له. فهو ‘موظف’ عند السياسي وليس له تفويض من الشعب للتأثير ولتوجيه القرارات السياسية دون الرجوع الى المسؤولين.

وفي مقابلة سابقة له مع ‘الأنباء’ أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت د.شفيق الغبرا أن التنمية المنشودة لن تأتي دون إصلاحات جوهرية، مشددا على أن الإصلاحات السياسية ضرورة يفرضها الواقع، وأشار د.الغبرا إلى أن الاتجاه المستقبلي عربيا ومحليا يسير نحو دور أقل للدولة من خلال إرادة شعبية تؤكد على الحريات الشخصية ورفض الاملاءات.
وقال الغبرا علينا ان نتعلم اتقان فن الممكن ونبدأ بما نستطيع تحقيقه في مجال الاصلاحات السياسية عن طريق حالة من الوفاق الوطني على اولويات هذا الاصلاح، ولا اعتقد ان بداية الاصلاح تكون باختيار رئيس وزراء شعبي ولكن ذلك يأتي في نهاية الطريق، وأننا على يقين اننا نسير في الطريق الصحيح، وأود ان اشير الى ان جميع الدول الملكية في الدول العربية ستصل الى مرحلة رئيس وزراء شعبي لا محالة وبالتالي لن نكون وحيدين في ذلك ولكن السؤال ما هو الثمن؟ وكيف يتم؟ هل سيتم بالتوافق ام بالغضب؟ هل سيتم وفق رؤية استراتيجية عليها اجماع من المؤيدين والمعارضين؟ هو امر قادم لا محالة ولكن الاشكالية كما اوضحت تكمن في الاستعداد له وخلق الارضية والمناخ المناسب في اطار من اجواء الثقة وذلك لن يتحقق في عام او عامين ولكن في اطار هذا العقد.
وأكد الغبرا أن الكويت بحاجة الى تعميق الحياة الديموقراطية، فهناك ‘اختناق ديموقراطي في الكويت’ جعلها عاجزة عن معالجة ملفاتها العالقة ريثما تعالج قضاياها السياسية مثل العديد من الأطروحات التي يتبناها النواب مثل تعديل قانون الدوائر الانتخابية وآلية التصويت، الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بحيث لا تكون السلطة التنفيذية عضوا في السلطة التشريعية، وانشاء الحياة الحزبية كسبيل لمعالجة أوجه القصور في الممارسة السياسية، والاهم من ذلك هو حتمية نقل مزيد من الصلاحيات والمسؤوليات باتجاه الشعب الكويتي لكي يتحمل الشعب المزيد من المسؤوليات والصلاحيات والتي يجب ان تكون في اطار حياة سياسية وحزبية صحية ومستمرة وقادرة على بناء التحالفات ومد جسور الحوار مع الآخر المختلف، وبالطبع يمكننا تخفيف حدة هذا الانتقال وجعله تدريجيا ومدروسا.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: