سلسلة قراءة نفسية في عقيدة التشيع ( الحلقة الخامسة والأخيرة )

سلسلة قراءة نفسية في عقيدة التشيع ( الحلقة الخامسة والأخيرة )

 

أبو وضاح العميري

الفصل السابع

 

المنهج الأمثل في مواجهة خطر التشيع

مشكلة خطيرة فما هو الحل ؟ طلعت الشمس، وظهر تحتها كل شيء، وتبين لنا – بما لا يقبل الشك – أن التشيع مشكلة خطيرة، هي من كبريات المشاكل الدينية والسياسية والاجتماعية. بل هي المشكلة المحورية، و(القضية المركزية) في بلد مثل (العراق). لا يقتصر خطر التشيع على الدين فحسب. إنه يجتاح الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد، ووحدة الوطن والشعور بالانتماء إليه، وإلى الأمة الأكبر وكيانها ومفاهيمها وقيمها وثوابتها. فمواجهته، والتصدي له ضرورة حتمية من أجل إنقاذ هذه القيم جميعاً.

لا بد من المواجهة فماذا أعددنا لها ؟ إن هذا الخطر المتعدد الجوانب يحتم على الجميع مواجهته، ووضع الخطط والبرامج لحل مشكلته، ومعالجة خطره. وإذا كان ذلك كذلك، فإن من الضروري لمن تصدى لهذه المهمة الصعبة أن يضع نصب عينيه ذلك الخليط المتشابك من الأمراض والعقد النفسية، وأن يكون جاداً كل الجد، ومقدراً موقعه فيدرك المسؤولية الدينية والوطنية والقومية، والمسؤولية التاريخية التي ينبغي أن يتحملها كل من وضع نفسه هذا الموضع. لكننا لم نجد في ساحة الدعوة منهجاً واقعياً حكيماً: ينظر إلى الواقع بعين فيحدد المشكلة الكبرى، ويدرس أبعادها الفكرية والنفسية والتاريخية والاجتماعية، وإلى الكتاب والسنة بالعين الأخرى؛ كي يضع العلاج المناسب في ضوء ذلك الهدى الرباني الحكيم. كل الذي وجدنا: رقاعات من هنا وهناك يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي: البحث عن وسائل قربى تجمع بين أهل الحق وأهل الباطل، ولو على حساب الحق. وهو ما نطلق عليه اسم (المنهج الترضوي). إنه منهج يبحث عن وسائل التعايش والتواؤم، ولو على حساب الثوابت والحقوق، ولا يبحث عن سبل للحل، ويتطير من ذكره إن كان يسبب أزمة، أو يثير مشكلة، أو يستلزم أي نوع من المواجهة. وهو منهج فاشل جملة وتفصيلاً، وواقعاً وتأصيلاً. لم يستطع إثبات صلاحيته للمواجهة أمام الهجمة الشعوبية الشاملة الشرسة. لا في علاج الحالة ولا في إيقاف زحفها وانتشارها. وقد شرحت ذلك مطولاً في كتاب (لا بد من لعن الظلام) .

صورة مجملة للمنهج حين تطرقنا في الفصل الماضي إلى الخطوط الرئيسة التي رسمها القرآن الكريم للمنهج الأمثل في مواجهة اليهود ودعوتهم، كان ذلك من باب النظر في صلاحية تطبيق المنهج نفسه على الشيعة لمواجهة خطرهم الذي استشرى، ودعوتهم إلى الحق طبقاً لأنجح السبل، وأنجع الأساليب والوسائل؛ فليس ثمة منهج أفضل من المنهج الإلهي الذي أودعه الرب في كتابه العظيم. (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الإسراء:9). والرابط بين الطائفتين (اليهود والشيعة) هو تشابههم في منطلقاتهم النفسية، والفكرية. وعلى هذا الأساس يمكن أن نعطي صورة مجملة، ونرسم خطوطاً عامة للقاعدة الفكرية التي ينبغي أن يستند عليها المنهج الواجب اتباعه في مواجهة خطر التشيع، ودعوة الشيعة إلى الدين الصحيح بما يلي:
1. الصدع بالحق ودعوة الشيعة علناً من خلال جميع المنابر الدينية والإعلامية المتاحة إلى دين الإسلام في وضعه الإلهي الأول قبل وجود الفرق. والإعلان بأن الدين الذي هم عليه اليوم، ليس له من الإسلام إلا الاسم. 2. الإعلان بفضح أباطيلهم وخزعبلاتهم بتفاصيلها (تحريف القرآن، تكفير الصحابة، الطعن بأمهات المؤمنين، شركهم بالقبور ودعاء أهل البيت وتقديسهم، رد الأحاديث النبوية، العصمة، الإمامة، التقية، المتعة، التقليد، التبعية لإيران وتنفيذ مخططاتها، العمالة للأجنبي، فضح كتب مروياتهم، فضح مخازي علمائهم، إباحتهم دم المخالف وماله وعرضه خصوصاً أهل السنة، مساجد ضرارهم (الحسينيات)، الأذان البدعي، أوقات الصلوات، الوضوء، النياحة واللطميات، التطبير…إلخ). 3. عرض مخازيهم التاريخية على مر العهود والعصور، وفضح تزويرهم للتاريخ. لقد آن لنا أن ننهي المعادلة التاريخية الظالمة: أهل السنة يصنعون الأحداث، والشيعة يكتبون تاريخها. (مثال ذلك أبو مخنف الشعوبي واعتماد الطبري عليه في تسجيل أحرج فترة مرت بها في صدر دولة الإسلام، وتاريخ الدولة الأموية). 4. تجريدهم من حق الانتساب إلى (أهل البيت العلوي أو النبوي). والبيان الواضح أن هذه مجرد دعوى وستار كاذب. وإيقاف جميع التهريجات السنية الرامية إلى التقرب إليهم من باب محاولة إثبات حب (أهل البيت) الفاشلة رغم تكرارها منذ مئات السنين! 5. اتباع أسلوب الهجوم المنظم، والخطاب القوي، المبني على الشعور بالعزة الإيمانية، وأننا أهل الحق، وهم أهل الباطل. والبعد عن اتباع مبدأ الدفاع، والأساليب التقريبية الترضوية الضعيفة.

المقاصد الكبرى للمنهج يتبين من تاريخ الدعوة الإسلامية أن المنهج الإلهي المنزل، والذي طبقه الرسول  مع اليهود لم يؤد إلى النتيجة المطلوبة من هدايتهم، ولم يتغير منهم سوى أفراد قلائل. لكن المتأمل يجد هذا المنهج قد أفصح عن ثمرتين ونتيجتين عظيمتين هما: 1.  سحب المشروعية الدينية من اليهود، ونقلها إلى المسلمين. وكان هذا الأمر صريحاً قطعياً، بلا أدنى أثر للشك أو الضبابية أو المجاملة، أو اللف والدوران تحت أي ذريعة، أو تقدير أي مصلحة من المصالح. وهذا ساهم مساهمة كبيرة في تقليص حجمهم، وخطر تغلغلهم واندساسهم وقبول الناس لهم، واحترامهم؛ على أساس أنهم أصحاب دين سماوي مقبول عند الله. 2. تحصين الصف الداخلي منهم، وتفجير طاقات الجماعة المسلمة ضدهم. وتأسيساً على ما سبق نقول: إن أول خطوة نخطوها في طريق مواجهة الشيعة والتشيع، هو سحب بساط المشروعية الدينية من تحتهم. إن على الناس – وأولهم أهل السنة في العراق، وكل مكان مشابه – أن يعرفوا: أن التشيع دين آخر مبتدع لا علاقة له بالإسلام قط. بل أنشئ هذا الدين أصلاً لمحاربة الإسلام وأهله. إن علماء الشيعة لا يؤمنون بهذا الدين الذي جاء به الصحابة  إلى أجدادهم المجوس؛ فهم يكفّرون الصحابة – إلا بضعة نفر منهم – على هذا الأساس. فالصحابة – حسب ادعاء الشيعة – لم يكونوا على دين الإسلام الذي تركهم النبي  عليه، وإلا لم يكفروهم. إذن الدين الذي كان عليه الصحابة لا يؤمن به هؤلاء العلماء، بل يَكفُرون به، ويُكفِّرون غيرهم عليه. فماذا بقي لهم من دين الإسلام؟ وعلى أي إسلام هم ؟!!!
هذا وقد أجمعوا على تكفيرنا. لكنهم عند (التقية) يسموننا مسلمين، بمعنى الإسلام الظاهر دون الإيمان الباطن الذي ينجي صاحبه من الكفر والخلود في النار؛ فهو كإسلام المنافقين، الذين يطلق عليهم اسم الإسلام دون الإيمان. ولك أن تلاحظ عليهم أنهم حين يشيرون إلى شيعتهم يسمونهم بـ(المؤمنين). وهو اسم لا يطلقونه على غيرهم؛ للسبب الذي ذكرناه. وهذه الخطوة هي أول عناصر أساس العلاج أو المواجهة، ألا وهو تحصين الصف الداخلي لأهل السنة والجماعة، وحمايتهم من اختراق الشيعة لهم. وليس مقصودي الأول بعلاج التشيع هو تحويل الشيعة إلى دائرة أهل السنة والجماعة. وإن كان هذا أعظم في ذاته، ونرمي إليه لأسباب، منها أنه يحل الإشكال من الأساس. إنما أقصد – أول ما أقصد – رسم الخطط، ووضع البرامج الكفيلة باتقاء خطرهم، وتخليص مجتمعنا من شرهم ، بتحصين أهل السنة أولاً، ودفع الصائل الفكري والعسكري ثانياً. ثم – من بعد – يكون الاختراق. وأوله محاولة رفع جمهور الشيعة إلى المستوى الحضاري في التعامل الإنساني، كأن يرتفعوا مثلاً إلى مستوى المسيحيين عندنا في العراق في تعايشهم السلمي معنا! ولو كان الشيعة كذلك لما أعطيناهم هذا الاهتمام من جهدنا ووقتنا. على أن أكثر ركاب قطار الدعوة يسلكون الطريق الأسهل لاتقاء شرهم، حين تكون النفس هي المقدمة بالحفظ قبل المجتمع، فيجنحون إلى أسلوب المجاملات والمداهنات، المؤطر بدعوى الحكمة، والمقنن بالنصوص الانتقائية؛ ولذلك فغاية ما يهتمون به دعوة الأفراد بعيداً عن الجمهور. بينما المطلوب في سبيل وقاية المجتمع – وكذلك هدايته – أسلوب جماعي غايته تغيير المجتمع ككل. وذلك لا يتم إلا بتحصين أهل السنة أولاً، ثم التحرك على الشيعة ثانياً من أجل رفعهم إلى ذلك المستوى الحضاري، وصولاً إلى تغييرهم النهائي، كهدف أبعد ومرحلة أخيرة في طريق التغيير.

التخبط المنهجي عند النخبة السنية التقيت في بداية هذا العام (2006) شيخاً فاضلاً يحمل شهادة الدكتوراة في العقيدة. قال الشيخ: ينبغي أن يكون مشروعنا مع الشيعة مشروعاً سياسياً يستند على التحالف مع الوطنيين منهم ضد العملاء والخونة أصحاب المشروعي الصفوي الأمريكي. وهذا سيساهم مساهمة أكيدة في تفكيكهم. ولا ينبغي أن يكون مشروعاً دينياً يستند على كونهم يتبعون مذهباً بعيداً عن الإسلام. وهذا ما أدعو إليه، وأيدني عليه كثير من العلماء. فقلت له: عليك أولاً أن تبين حجتك الشرعية في ما تذهب إليه. وليس الحجج العقلية تحت مسمى (المصلحة) غير المضبطة بالشرع. وإلا لماذا نحن (إسلاميون)، وغيرنا (علمانيون)؟ فما هي حجتك أو دليلك الشرعي؟ فلم يحر جواباً! فقلت له: لسنا ضد المشروع السياسي أو الوطني. بيد أن أدلة الشرع تقضي بأن المشروع السياسي يأتي من وراء المشروع الديني، وليس قبله أو بديلاً عنه. فالرسول  تحالف مع اليهود سياسياً، ولكن.. بعد أن حسم الموضوع دينياً. لقد بين لهم أنهم ليسوا على شيء من الدين، وأنهم كفار لا نصيب لهم في الآخرة إلا النار. لكنه يعيش وإياهم على أرض مشتركة؛ فلينظموا بينهم وثيقة تضبط هذه العلاقة، ومن بنودها الدفاع المشترك عن هذه الأرض أو الوطن. وهذه سياسة. ولم يكن من شرطها التغطية على حقائق الدين، أو المشروع الديني. إن الصراحة الدينية لا تمنع العلاقة السياسية. ولكن بشرط هو وجود القوة التي تُجبر خصمك على التعامل معك. وهذا الشرط إذا فقد فلا قيمة لكل المجاملات السياسية، والعهود والمواثيق والتحالفات الوطنية. كن قوياً وقل ما شئت، فلن يتأثر مشروعك السياسي. وكن ضعيفاً وجامل ما شئت فستخسر الدنيا والآخرة: لا دين، ولا سياسة. كن صريحاً في موقفك من الشيعة، اسحب بساط المشروعية الدينية من تحتهم؛ وسترى! أما إذا نظرنا إلى الأمر من الزاوية السياسية، فالخسارة واضحة لمن أراد أن يرى. وهنا أسأل: على من تعتمد في مشروعك الوطني الذي تريد أن تفكك به أحلاف الشيعة، وتشق صفوفهم؟ قال: في الجنوب عشائر عربية، تكره الفرس، ووطنيون يمكن التعامل معهم. قلت: كم نسبتهم؟ قال: كم تقدر أنت نسبتهم؟ قلت: إذا زدنا فهم لا يتجاوزون الـ10%. قال: هذه نتيجة مرعبة. قلت: فماذا تظن؟! ثم ما تأثير هؤلاء على التيار الجارف الذي يأخذ بهم إلى الجهة الأخرى؟ ناهيك عن النفسية الجمعية التي تسيّرهم في نهاية المطاف. نعم يبدو هؤلاء كما تظن، حين يجلس أحدهم أو بعضهم معك. لكن حين ينصرفون إلى قومهم، ويتصرفون طبقاً للعقلية والنفسية الجمعية للجمهور الشيعي فلن يختاروا في النهاية إلا الاصطفاف مع ذلك الجمهور. كما أن غريزة الحياة، والنفسية النكوصية التي لا تجد الأمان ولا تحس بالاطمئنان إلا ضمن الجماعة المغلقة، وتحت ظل المرجع- الوالد (دام ظله)، وغيرها وغيرها من العوامل المرئية وغير المرئية ستدفعهم دفعاً إلى هذا الاختيار. أما إذا نزلنا من عالم الخيال والأماني إلى أرض الواقع فلنا أن نسأل: هل حصل شيء من هذا الذي تقولونه عن تحييد بعض الشيعة، وتفكيك صفهم؟ وعندنا (مقتدى الصدر) مثال واضح يدحض هذه النظرية: لقد اندفع معه الكثيرون من أهل السنة ونخبهم. حتى تكلموا بما قد يخالف الحق والحقيقة! اتقاء الفتنة، ودرءاً للتصادم وحلول الكارثة. لكن ماذا كانت النتيجة؟ ها هو الآن يصطف مع قتلة أهل السنة: الحكيم والجعفري وصولاغ و.. و.. وينفخ الروح في قائمة (الائتلاف الشيعي) في الانتخابات الأخيرة! فأي صف استطعتم شقه؟ وكم حلفاً للشيطان تمكنتم من تمزيقه؟ فعن أي سياسة، وأي مشروع سياسي تتحدث؟! كان هذا اللقاء في كانون الثاني، أي قبل أحداث سامراء وظهور مقتدى وعصابته على حقيقتهم. ولك أن تلاحظ أن أصحابنا يتكلمون عن نظريات وأحلام، لعلهم لم يكلفوا أنفسهم التحرك قيد أنملة باتجاه محاولة تطبيقها، على الأقل من أجل فحصها؛ ولهذا السبب تبقى أفكارهم جامدة بعيدة عن الواقع مهما تقادم الزمن، وجرت الأحداث بغير ما يقولون. اللهم إلا إذا حدثت فضائح ضدها من عيار فضائح مقتدى الأخيرة وعصابته المسعورة. وهنا لا يغيرون القاعدة، ولا يتنازلون عنها! وإنما يحولونها إلى آخر وآخر كالبغدادي والخالصي والحسني وبقية الثعالب. وهذه مصيبتنا.. ما لم نخرج على القطيع. ومن الأدلة على هذا أن الشيخ المعني يطرح أفكاراً ويقعد نظريات ويرسم مشروعاً، لا يعرف هو عن أولياته البسيطة شيئاً. فهو لا يعرف كم نسبة أولئك الذين يتحدث عن عروبتهم ووطنيتهم، ليبني عليهم مشروعه الخيالي؟! ولا يملك معرفة عن الأسس النفسية لحركة المجتمع! هذا وهو ممثل لهيئة تدعو إلى هذا المشروع منذ حوالي ثلاث سنين من التاريخ أعلاه. فوا عجبي!!! التحصين ثم.. التحصين علينا أن ننشغل بتحصين صف أهل السنة، وتنمية مناعتهم ضد التشيع، وتحذيرهم من الشيعة. واستغلال الظرف الحالي قبل فوات الأوان في ترسيخ الحقيقة التي تبين أن الشيعة أصحاب دين يمنعهم من التعايش مع غيرهم من المذاهب. دين يحثهم على قتل السني وأخذ ماله وانتهاك عرضه، وإزاحته من أرضه، وإخراجه من وطنه. فضلاً عن تكفيره. وهذا هو الذي يفجر كل الطاقات – الدعوية وغيرها – باتجاه الشيعة. إن تحصين أهل السنة هو حجر الزاوية، والأساس الذي يعتمد عليه المنهج. ولا يجوز المساس به، والتقصير بشأنه مهما كلف الأمر. وإلا كنا كمن يسير في فراغ، أو يبني بلا أساس.

التشابه بين الشيعة والمنافقين بين الشيعة والمنافقين من التشابه ما يمكن اعتبارهم صورة من صورهم، ونموذجاً من نماذجهم. كذلك اليهود. وأبرز جامع بينهم هو النفاق نفسه؛ فإنه لدى اليهود والشيعة دين يدينون الله به! يقول تعالى عن المنافقين: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة:14). والشيء نفسه قاله تعالى عن اليهود: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76). والشيء نفسه يقال عن الشيعة من خلال مبدأ (التقية) اليهودي، الذي بلغت منزلته عندهم حداً أن جعلوه تسعة أعشار الدين! وهذا يقودنا إلى أهمية كون الخطاب مع الطرفين (الشيعة والمنافقين) واحداً أو متشابهاً. وعندما نبحث في منهج القرآن في خطابه للمنافقين نجده يكاد يتلخص في الفضح والإنكار فقط. كما نجد أن القرآن العظيم يعطي للمنافقين من الاهتمام أكبر من اهتمامه بالكفار الصرحاء من اليهود والنصارى والمشركين! فالتركيز على أباطيلهم وصفاتهم وكشف سوءاتهم وأساليبهم أشد مما هو عليه مع الكفار! وكذلك لهجة الخطاب نجدها أعنف وأغلظ! أما دعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى الحق فلا نجد لها أثرا سوى إشارات خفيفة قليلة هي إلى اليأس من توبتهم أقرب منها إلى الطمع فيها. والسبب في هذا – والله أعلم – (أن المنافقين ومرضى النفوس لا يتيسر علاج أدوائهم من داخل أنفسهم- في غالب الأحيان – لفقدان الوازع وغياب الضمير. ولما كانت عللهم متعدية في الضرر إلى غيرهم، لزم توجيه علاجهم من خارج ذواتهم لا طلباً لبرئهم هم، بقدر ما هو لأجل حفظ الناس من شرور أمراضهم)( ).

المعالم الرئيسة للمنهج القرآني في خطاب المنافقين ذكرت في كتاب (لا بد من لعن الظلام) أن المعالم الرئيسة للمنهج القرآني في خطاب المنافقين تتلخص في أربعة فقرات هي: 1. التركيز الشديد على ذكر فضائحهم وأباطيلهم ولعن ظلامهم، حتى يكاد أن يكون هو العنصر الوحيد من عناصر المنهج! 2. الغلظة الشديدة في الخطاب، ومواجهة القوم بأباطيلهم أكثر مما هي عليه مع الكفار الصرحاء. 3. عدم إعطائهم الفرصة للقيام بما يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى استقلاليتهم وانحيازهم ليظهروا كطرف له كيانه الخاص ومعالمه الدالة عليه. بل ضرب بيد من حديد أول بادرة لذلك متمثلة بمسجد (ضرار). بل إن رسول الله  وسع الأمر الإلهي إلى أبعد حدوده، فقام بهدم المسجد وحرقه وإزالة معالمه مع أن ظاهر الأمر ليس فيه أكثر من النهي عن الصلاة فيه: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) (التوبة:108). 4. كبت المنافقين وجعلهم يعيشون حالة من الخوف والشعور بالنقص (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )(المنافقون: 4)، تعبر عن نفسها بمحاولاتهم ترضية المؤمنين، وادعاء أنهم منهم، والقسم بالله على صدق ما يدعون، والمجيء إلى الصلاة ولو كسالى، والإنفاق ولو كارهين. وفي الوقت نفسه واجه القرآن كل تلك المحاولات بالرفض الواضح، والاستنكاف من قبولهم أو اعتبارهم من المؤمنين أو الالتقاء معهم في وسط الطريق. إ.هـ. وإذا كان التشابه واقعاً – وهو كذلك – فإن هذا يستلزم أن تكون لهجتنا في خطاب الشيعة أغلظ وأعنف منها مع اليهود.

قانونان : أحدهما لتغيير الفرد ، والآخر لتغيير المجتمع من خلال المعاناة المستمرة، والتفكير الدائم في كيفية الوقوف في وجه الزحف الشعوبي المتواصل، وإيقاف تقهقر أهل الحق المتزايد مع الزمن. هذا مع سعي الكثيرين من المخلصين ومحاولاتهم الدعوية الدائبة توصلنا إلى أن الخلل الأكبر يكمن في المنهج الدعوي الذي سارت عليه الأجيال من قبل، ونحن من ورائهم عليه نسير. إن المنهج الحالي فاشل، ودليل فشله – بصرف النظر عن كل شيء – هذا الواقع الذي يصرخ مدللاً على ذلك الفشل! المنهج المختل – وهو الذي نطلق عليه اسم المنهج الترضوي – لا يصلح لتغيير المجتمع، وإن نجح في تغيير بعض الأفراد قلوا أم كثروا. لقد اكتشفنا ونحن في وسط المعمعة أن هناك قانونين للتغيير: أحدهما يصلح للفرد، والآخر للمجتمع، وأن إصلاح الفرد – مهما كثر عدده – لا يعني ضرورةً إصلاح أو تغيير المجتمع. وأصحاب المنهج الترضوي لا يدركون الفرق بين القانون أو الأسلوب اللازم لتغيير الفرد أو عدد من الأفراد، وبين القانون أو الأسلوب اللازم لتغيير المجموع أو المجتمع. وهذا خلل كبير وخطير في المنهج يجعله مشلولاً وعاجزاً عن إحداث التغيير الاجتماعي. نعم قد ينجح في استمالة بعض الأفراد، ولكن على حساب خسارة المجتمع، والتفريط به ككل. وما إن أدركت ذلك حتى أخذت أبينه وأشرحه من خلال خطبة الجمعة، والمحاضرات الأسبوعية، والدروس واللقاءات الخاصة وغيرها. وكتبت رأيي في هذا في كتاب (لا بد من لعن الظلام) الذي استغرق مني حوالي سنة كاملة، وانتهيت منه في آذار 2002م. وبنيت ذلك على أن للمجموع – أو المجتمع أو الجمهور – الذي نخاطبه تركيبة (نفسية وعقلية) جمعية تختلف عن نفسية وعقلية الأفراد المكونين له كلاً على حدة. وإذن لا بد – تبعاً لذلك – أن يكون هناك أسلوبان أو قانونان للتغيير، وليس أسلوباً واحداً. واشتققت من ذلك عدة قوانين فرعية أهمها أن تغيير فكر المجموع لا يتم إلا بأسلوب (الطرق المستمر) الذي يقوم على التركيز على فكرة مبسطة يتكرر طرحها بقوة وتأكيد جازم، دون النظر – في البداية – إلى قبولها من المجتمع أو رفضها. حتى إذا أخذت استحقاقها الزمني رسخت في ذهن المجتمع وصارت من المسلمات، بغض النظر عن خطئها من صوابها. ولا يتغير المجتمع بالأسلوب العقلاني المنطقي وحده دون المؤثرات النفسية مع الطرق المستمر. وقد استفدت ذلك من خلال الرصد والنظر والتحليل، ومعاناة الفشل والنجاح، والبحث في الأسباب المؤدية إلى كل منهما. ومن ذلك الملاحظة الشخصية للتجربة الدعوية التي مررنا بها في دائرة الأسرة والأقارب والعشيرة والمجتمع المحيط بها. كم كان شاقاً على أحدنا أن يقول لأهله، أو يصرح في محيطه قبل ثلاثين عاماً بأن دعاء (الأئمة) والنذر لهم والقسم بهم شرك لا يجوز! ولم تكن حججنا العلمية والمنطقية تنفع إلا مع القلة القليلة منهم. أذكر أنه كان من أوائل المهتدين للعقيدة السليمة من هذه القلة ابن خالة لي بتأثير من أخي الكبير رحمه الله. هل تعلم أن هذا الشاب قد صار أضحوكة لأهله وأقاربه حتى أطلقوا عليه لقب (أبو الشرك)؛ فلا يدعونه في كثير من الأحيان إلا به! فإذا سأل أحدهم عنه قال: أين راح (أبو الشرك)؟ وإلى أين ذهب (أبو الشرك)؟ ومتى جاء (أبو الشرك)؟ لكثرة نهيه لهم عن الشرك! كان ذلك عام 1973م. وتمر الأعوام تلو الأعوام فيتغير أولئك الناس حتى صاروا دعاة للتوحيد، ومن طراز (أبو الشرك) هذا! وكم تذكروا أيامهم الخوالي وهم يتندرون بها، ويضحكون من عقولهم كيف كانت تستسيغ تلك الخرافات؟ ولا تريد الفكاك عن تلك الخزعبلات؟! لقد تغيروا – وكان التغير جماعياً كأنه قد حصل مرة أو جملة واحدة – لا لأنهم قد اقتنعوا في لحظة ما بما كانوا يسمعون من حجج، وإنما بسبب (الطرق المستمر) القوي والمؤكد على آذانهم بالموضوع الذي كانت فقراته تتغلغل شيئاً فشيئاً دون أن يشعروا إلى داخل عقولهم وقلوبهم. وحين رجعت إلى القرآن والسنة وسيرة الرسول والأنبياء جميعاً والمصلحين عموماً على مر التاريخ ومختلف الأماكن تعززت عندي هذه الملاحظة، وتحولت إلى قناعة راسخة بعد أن تأكد لدي أن الجميع كانوا يتوجهون بالخطاب إلى المجتمع أولاً قبل الفرد. وأن تغيير الفرد سيقع كتحصيل حاصل في النهاية. على أنه ليس من تفريط بأسلوب مخاطبة الفرد حين يكون القصد بالتغيير متوجهاً إليه في أي ظرف من الظروف. ولكون اطلاعي على كتب علم النفس لم يكن يومها بتلك السعة؛ فقد تصورت أن المهتمين بهذا العلم لم ينتبهوا إلى (علم نفس المجموع) حين اقتصروا في دراساتهم على علم نفس الفرد وأمراضه النفسية. وأفضيت بهذا التصور إلى البعض من خاصتي. وقد وجدت بعد أكثر من سنتين على تأليف الكتاب السابق إشارة بسيطة ضمنتها إياه حين طبعته ونشرته في العام الماضي / 2005م ، وذلك في ثنايا كلام علي عزت بيجوفتش في كتابه القيم (الإسلام بين الشرق والغرب) هذا نصها: (لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة، أنه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار الملح لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع) . وقد اعتبرت هذا النص في حينه اكتشافاً ثميناً من شخصية معتبرة يؤيد كلامي عن أسلوب (التكرار والطرق المستمر)، ولم أنتبه أبداً يومها إلى مدلول عبارة (علم نفس الجماهير) التي وردت في بدايته كما انتبهت إليها اليوم وأنا أعيد قراءتها. وقد كنت أسمع بين حين وآخر عن (العقل الجمعي)، لكنني ظللت على ذلك الوهم حتى وقعت في أيلول الماضي/ 2005م على كتاب (سيكولوجية الجماهير) للعالم الفرنسي غوستاف لوبون المنشور عام 1895م، وكنت يومها في معرض للكتب في دمشق، أبحث علّني أجد كتاباً للأمراض النفسية الجمعية، فلم أعثر من ذلك على شيء، وشد انتباهي عنوان الكتاب فاقتنيته. وحين أخذت أطالعه فوجئت بمطابقة كثير من آرائه للآراء التي توصلت إليها وقمت بنشرها من قبل، دون أن أدري يومها – ولا أحد من حولي كان يدري – أنني كنت أكشف النقاب عن أعظم قوانين التغيير الاجتماعي. وتبين لي أن العلماء قد خاضوا في علم نفس المجموع منذ أكثر من مائة عام، وعلى رأسهم غوستاف لوبون الذي يعتبر مؤسس (علم نفس الجماهير) ورائده الأول كما جاء في مقدمة الكتاب. وستجد بعض الاقتباسات من هذا الكتاب القيم خلال الصفحات القادمة. فاطمأننت إلى أن ما أبديته من ملاحظات، وثبّتّه من قواعد في التغيير الجماعي (الجماهيري) لم تكن نتاج عقل قادته المعاناة إلى ما قادته إليه، ربما كان لردود الأفعال غير المحسوبة بدقة أثرها وطابعها عليه. بل هي قواعد مدروسة طبقاً للمنهج العلمي التجريبي. وأني كنت أقيد ردود أفعالي تقييداً علمياً صحيحاً. إن هذه القواعد قد أثبتها وأرساها من قبلي علماء كبار، ثم قاموا بإعلانها على الملأ، حتى صارت علماً مستقلاً يدرس ويطبق؛ فحمدت الله تعالى، وذكرت هذا من أجل تعزيز القناعة بها لدى طلاب الحق وحملة القضية.

أساليب عامة وأساليب خاصة الشيعة كمجموع – ننظر إليه كأي مجموع آخر – يسري عليه القانون العام في التغيير الجماعي كما يسري على غيره. أما إذا أخذنا بنظر الاعتبار خصوصياته النفسية والعقلية التي يفترق بها عن غيره فلا بد أن يؤثر ذلك في المعادلة؛ فنحتاج إلى تعديلات أو إضافات تتناسب وتلك الخصوصيات. وبناءً على هذا سنقسم الكلام إلى قسمين: القسم الأول: يبحث في الأساليب والمبادئ العامة للتغيير القسم الثاني: يبحث في الأساليب والمبادئ الخاصة بالشيعة

القسم الأول

الأساليب والمبادئ العامة

1. تبني (القضية)

وجدت أغلب الناس – بما فيهم كثير من المفكرين والمنظرين – ينظر إلى المسائل التي تشغله: دنيوية كانت أم دينية نظرة جزئية تفكيكية. بمعنى أنه ينشغل بمسألة ما فيجعلها محط نظره ومحور اهتمامه وحركته ليهمل بقية المسائل. أو يعالج كل مسألة على حدة، دون أن يسلكها بخيط واحد، ويرجع بعضها إلى بعض. وهكذا يفعل كل فريق. وفي النهاية ينقسم المسلمون في البلد الواحد أقساماً غير متجانسة، تتنافر فيما بينها وتختلف تبعاً لاختلاف المسائل التي تبناها كل فريق على حدة دون اتفاق أو تنسيق. وهذا ما نهى الله عنه وذمه بقوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون:35). إن هذا يقطع المقتسمين أنفسهم ويحيلهم شيعاً وأحزاباً متنافرة كما قال تعالى: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (المائدة:14). فأخذ بعض الدين ونسيان بعضه يؤدي إلى هذه النتيجة المأساوية. وللخروج من هذا المأزق لا بد من اللجوء إلى نظرية (القضية). فبها وحدها نتمكن من حل جميع الإشكالات، ونعطي جميع المسائل الممكنة ما يناسبها من اهتمام. إن نظرية (القضية) تعلمنا – نحن كإسلاميين – أن للدعوة محوراً هو المشكلة، أو المسألة الكبرى في الواقع المعين تدور حوله (القضية) استناداً إلى قاعدة التوحيد. إن محورية الدعوة لا تعني أبدا إهمال المسائل الأخرى غير المحورية، وهي تقترب أو تبتعد عن المركز الذي تستقر فيه المسألة الكبرى وتتحرك لتكون هي محور الاهتمام أو (القضية). بل الأمر على العكس تماماً. فإن وضع اليد على المحور، وتشخيص (القضية) يعطي لبقية المسائل أهميتها وحيويتها كلاً بحسبها، ويحركها ليجعلها تدور في فلكها الخاص بها وهي تنشدُّ إلى المحور بدل أن تظل جامدة ميتة، أو مغلفة لا حراك فيها. إن (القضية) هي النظام أو السلك الذي يشد حبات العقد ليصنع منها تركيباً جميلاً مترابطاً. وبفقدان ذلك النظام أو انقطاع السلك تنفرط الحبات أو الخرز فلا يبقى هناك عقد. إن لكل دعوة قضية تنبع من واقعها تشد المسائل المطروحة كما يشد النظام حبات العقد فإذا انفقدت (القضية) انفرط عقد هذه المسائل وفقدت حيويتها وصارت بلا هدف يمكن تحقيقه من ورائها. وبهذا يتبخر الاعتراض القائل بأن الدعوة لا يصح أن تحصر في قضية مواجهة التشيع أو المشروع الإيراني، وتهمل بقية القضايا. حيث قد أصبح واضحاً أن تبني هذه القضية لا يلغي أياً من القضايا المطلوبة، بل يمنحها الحيوية والحياة، ويجعلها تتحرك وتدور حول محور يمور بالفاعلية والحركة والنشاط : فمن جعل التوحيد وتصحيح العقيدة غايته نقول له: إن هذا المطلب أول خطوة في طريق (القضية). ومن جعل التقوى والتزكية القلبية شاغله نقول له: إن هذا هو لب التوحيد وعماد العقيدة. ومن جعل العبادة هدفه ووجهته نقول له: إن (قضيتنا) لا يصلح لحملها إلا جيل عابد. ومن جعل الجهاد طريقه ووسيلته قلنا له: لا (قضية) بلا جهاد، ولا جهاد بلا (قضية). وجهادنا أعظم الجهاد في الواقع الذي نعيشه لأنه يجاهد المنكر الأكبر والأصعب فيه. ومن أراد حشد الناس وتأليفهم، وتنظيمهم في جماعة معينة، قلنا له: إن الحشد والجمع لا بد أن يكون من أجل (قضية)؛ فالقضية الحقيقية أعظم وسيلة لتحقيق هذه الغاية. فتبني هذه القضية تحل مشاكل العراق دينياً واجتماعيا وسياسياً. ثم.. إن (قضيتنا) لا تنجح دون وعي بالسياسة والواقع وما يدور في العالم. وتحتاج إلى معرفة عميقة بالنفس البشرية وصيغ التعامل معها والسنن الكونية في التغيير. والى معرفة بالكتاب والسنة والسيرة والتاريخ والجغرافية كذلك. واللغة والعقائد والفرق. وإلى التعرف على الدسائس والمؤامرات وعلاقات الفرس باليهودية والصليبية. ولا يحملها إلا وطني صادق وعروبي غيور.
… وهكذا ما من مسألة ولا علم مهم أو ضروري إلا وتجد القضية في حاجة إليه، وتعطيه من الاهتمام ما يناسبه. فرق جوهري هو أن هذه المسائل والعلوم تكون حية متوهجة متحركة حين تكون في خدمة (القضية)، وميتة خامدة جامدة حين تنعزل منفردة على قارعة الطريق. ولعل سائلاً يسأل: ما هي قضيتنا نحن أهل العراق، وبقية المناطق أو الأقطار المشابهة؟ فأقول: إننا في العراق نواجه – ومنذ فجر التاريخ – خطراً هو أكبر الأخطار بل هو مجمع الشر وأم الخبائث من الشرك والنفاق واستباحة الدماء والأموال والأعراض والطائفية والفرقة والتآمر والكيد والدس والاغتيال الفكري والجسدي والولاء للأجنبي والطعن في الكتاب والسنة والتاريخ والرموز…الخ. وقد استطاع أن يجند لصالحه الملايين. هذا الخطر هو الشعوبية أو المجوسية المقنعة. إنه التشيع الفارسي أو الصفوي. إنه الغزو الشرقي قبل الغربي. فالوقوف بوجه هذا الخطر هو (قضيتنا) الأولى. وهي القضية التي نستطيع توجيه كل الجهود نظريا وعملياً علماء وعامة قادة وجماهير باتجاهها، وحشدها لحلها وعلاجها.

2. التكرار والطرق المستمر

قد يتغير الفرد بالحوار الشخصي، والأساليب العقلانية في دوائر النقاش، وتبادل الآراء في اللقاءات الخاصة، والاجتماعات المحدودة. ولكن المجتمع سيظل في عزلة عن هذا التغيير. ولا يتأثر به إلى الحد الذي يمكن اعتباره كبيراً وشاملاً، ما لم يحصل الصدع بالفكرة مع الطرق والتأكيد المستمر العلني بها، ويستغرق ذلك زمناً قد يطول جيلاً أو جيلين تبعاً لتوفر العوامل والظروف المطلوبة. على أن يكون قوياً مؤكداً وجازماً. إن (العقل الجمعي) للمجتمع لا يتغير قط إلا بهذا الأسلوب، الوحيد الذي يمتلك الفاعلية على جعله يتأثر ويستجيب – بلا وعي، وشيئاً فشيئاً – لدواعي الفكرة، التي ستتغلغل فقراتها على مدى الزمن المطلوب، حتى يأتي يوم يكون فيه مهيأً للضربة الأخيرة فيسقط الجدار. وقد يكون سقوطه فجأة؛ لطول ما تفاعلت فيه عوامل التغيير. مثله كمثل بحيرة ماء تضرب أمواجها جداراً من طين، أو تحفر في ذراته شيئاً فشيئاً. إنه يتصدع – ولو ببطء – حتى يأتي يوم فينهار. وبهذا الأسلوب تمكن أهل الباطل من نشر باطلهم. يقول د. علي الوردي: إن عيب البرهان المنطقي أنه لا يستطيع أن ينمي في النفس عقيدة. فالعقيدة بنت الإيحاء والتكرار. ولهذا السبب نجد وعاظنا ومفكرينا لا ينجحون في تبديل أخلاق الناس، أو تغيير عقائدهم إلا نادراً. فهم يحاولون دائماً أن يقنعوا الناس عن طريق الجدل، وإقامة الدليل، وما أشبه. هذا بينما الناس يسيرون في أمورهم الفكرية والاجتماعية على أساس ما انطبع في عقولهم الباطنة من أفكار وعادات وقيم. فهتلر لم يبعث في الأمة الألمانية تلك الحماسة، وذلك التعصب العجيب لآرائه بواسطة الإقناع المنطقي. إنما هو قد فعل ذلك بالإيحاء والتلقين والتكرار، وبواسطة الاحتفالات والاجتماعات والاستعراضات: حيث كانت الموسيقى تعزف، والأعوان تهتف، والرايات تخفق، والطيارات تملأ بهديرها الفضاء. إن كلمةً تكرِّر قولها على نفسك مرة بعد مرة لقادرة أن تطبع في عقلك الباطن شيئاً من الإيمان بها قليلاً أو كثيراً. والإيمان يزلزل الجبال كما يقولون. ينتقد بعض الكتّاب القرآن لأنه يكرر القصص وآيات الوعظ مرةً بعد مرة، ويذكر الله وآثاره في الكون في كل صفحة من صفحاته. وما درى هؤلاء المغفلون بأن هذا التكرار الذي ينتقدونه هو الذي طبع في نفوس العرب ذلك الإيمان العميق بالله، وجعلهم يحطمون إيوان كسرى وعرش قيصر في سنوات معدودة .

3. الصدع بالحق

الإسلام دين جماعي. أي جاء لتغيير الجماعة قبل الفرد. والإسلام ليس علاقة قاصرة بين الفرد وربه، مجردة عن المجتمع ، أو بعيدة عنه. نعم هو علاقة بين العبد أو الفرد وربه، ولكن من خلال المجتمع. إذن جاء الإسلام لتغيير المجتمع، وتصدى لمخاطبته ككل، وليس لخطاب فرد أو مجموعة من الأفراد. لهذا اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى المجتمع، ولم يقتصر بها على الأفراد. فكان يصعد على جبل الصفا ويصيح في جموع قريش، ويغشاهم في نواديهم وأسواقهم، ومواسمهم. وهكذا فعل أصحابه رضي الله عنهم. ولم تشغله دعوته الفردية عن هذه المهمة الاجتماعية. بل سخر الأولى لخدمة الثانية. إن منهج الإسلام التغييري الجماعي يقوم أول ما يقوم على الإعلان الواضح بالدعوة، والصدع المستمر – وبلا انقطاع – بالحق، وإنكار ما عليه المجتمع من باطل جهراً، دون الاكتفاء بطرح الأفكار في الزوايا الضيقة. وكان ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تطبيقاً أميناً لما جاء في ذلك من توجيهات الوحي الإلهي النازل عليه. كما قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94). وقال: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (الكافرون:1،2). وقال: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:34). بهذا الأسلوب توصل نبينا إلى تغيير المجتمع. وبه تمكن أهل الباطل من نشر باطلهم. مشكلتنا أن عامة دعاة أهل السنة عندنا يجنحون عند خطاب الشيعة إلى الاقتصار على الحوارات الخاصة المعزولة. أما الجهر بالحق، والإعلان الصريح به من خلال الوسائل التي تصل بصوتهم إلى المجتمع كمنابر الجمعة والإذاعة والتلفاز، والصحف وغيرها من الوسائل، فيتحاشونه كما يتحاشى المجذوم، أو أشد! وهذا أحد العلل الكبرى في مسيرة الدعوة والتغيير. إن السكوت وعدم الإعلان بالحقيقة الصريحة في وسط المجتمع خشية أن نفقد عدة أشخاص تربطنا معهم علاقة من أي نوع، أو جاءوا إلى المسجد القريب مثلاً يؤدي إلى أن يظل المجتمع سادراً في غيه، جاهلاً بحاله، مستمراً في ضلاله. لأنه لم يجد أو يسمع من يعرفه بالحق من الباطل. إن مجاملة المجتمع علناً، والاقتصار ببيان الحق من الباطل على الأفراد في المجالس الخاصة والأماكن المغلقة، لا يمكن – في يوم من الأيام ولم يحصل في التاريخ – أن يؤدي إلى التغيير الاجتماعي المطلوب الذي هو مهمة الإسلام الأولى، وينبغي أن يكون مهمة كل مسلم داع إلى الإسلام بحق. إن الصدع بالحق يحرك السواكن ويثير العقول ويدفع النفوس باتجاه النقاش والجدل والحوار، الذي ينبغي أن نستثمره ونجعله – كما أوصى ربنا – بالحسنى وحسب الضوابط الشرعية. ويؤدي كذلك – وبقوة – إلى مراجعة الأفكار وإثارة الحوارات الذاتية والمثنوية مما يعطي للأفراد فرصة اكبر للوصول إلى الحقيقة مستقبلاً وتنشيط الدعوة الفردية كذلك. لا بد إذن من التفريق بوضوح بين أسلوب الإعلان بالدعوة خطاباً للمجتمع، وبين الحوار الفردي في الزوايا الضيقة أو اللقاءات الخاصة أو عن طريق العلاقات الاجتماعية الفردية، الذي لن يؤدي – في أحسن أحوال – إلى أكثر من تغيير أفراد معدودين، مهما كثروا لن يحدثوا تأثيراً له وزنه في تغيير معادلة المجتمع المختلة، بالاتجاه الصحيح، نحو الهدف المطلوب. 4. التكامل

إن هذا التأثير – حتى يتم – يحتاج إلى تكامل دعوي يقترن فيه الصدع بالحق من قبل ما يكفي من الدعاة والكتاب والخطباء والمفكرين والمحاضرين، الذين يتقدمون الصفوف، بالحركة أمام الجمهور الواعي المساند، الحامل لـ(القضية)، بعد أن يكون قد أدرك أبعادها مسبقاً بواسطة أولئك المتقدمين. فالصدع بالحق لا بد أن يقترن بالحركة من قبل ذلك الجمهور نحو الآخر، متمثلة بالحوار الشخصي، وتقديم الوسائل البيانية من مثل الكتاب الهادف، والمطوية، والمنشور، والصحيفة والشريط المناسب: مسموعاً كان أم مرئياً، وغير ذلك من الوسائل. إن هذا كله ينشط التغيير الفردي ويكسب باستمرار مزيداً من الأنصار الحقيقيين، وليسوا أرقاما فارغة لا قيمة لها. وفي الوقت نفسه نكون قد قمنا بواجبنا تجاه المجتمع الذي نأمل أن يتغير باتجاه الهدف متى ما تكاملت فيه عناصر التغيير ضمن مدى معين من الزمن. فلا بد من مرور فترة زمنية يأخذ فيها التغيير مستحقه من النضج والتأثير. ما أسهل أن يجلس أحدهم على أريكته الوثيرة، يعدد أخطاء العاملين، ويقول: ماذا فعل فلان؟ وماذا عمل فلان؟ إن (فشل) فلان وفلان – إن كان – بسببك أيها (الحكيم)!.. بسبب قعودك واختيارك الراحة على العمل المفروض أن تقوم به. إن أجزاء العمل الدعوي كأجزاء العربة: المحرك، والإطارات، والجسم، والمِقود وبقية الأجزاء. وما لم تكتمل وتتكامل هذه كلها مع بعضها، لن تتحرك السيارة مهما كانت الأجزاء الأخرى متقنة وصالحة للعمل. وقد قام فلان وفلان بأداء ما عليهم من نصيب، لكن العجلة لم تسر؛ لأن جزءاً مهماً كان مفقوداً، وفراغاً ظل شاغراً ينتظر وصولك الكريم.

5. فضح الباطل وبيانه بالتفصيل

من أسباب انتشار التشيع قلة المتصدين لفضحه وتعريته بتفاصيله التي هو عليها. على العكس! فلقد قعّد الدعاة في المنع من ذلك قواعد أشهرها: “بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة” ، و “بيان الحق كفيل بزوال الباطل” . وأسقطوا قاعدة الرفق على هذا الموضوع؛ فصار عندهم كل من تطرق إلى باطل الشيعة وخزعبلاتهم من المتشددين المتعنتين. وما دروا – أو دروا لا أدري – أن دين الله تعالى مبني على تقديم مبدأ إنكار الباطل على بيان الحق. وأن فضح الباطل جاء فيه مفصلاً، بينما بيان الحق جاء مجملاً. حتى إذا دخل المرء في الإسلام جاء دور بيان الحق له بالتفصيل. وهذا المبدأ مذكور من أول كلمة يطالب بها الإنسان للدخول في رحاب الإسلام : “لا إله إلا الله”. والله تعالى يقول: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256). ويقول: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55). ويقول: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال:37). فبيان الباطل، وفضح أهله مقصود إلهي مستقل بذاته، وهو شرط لبيان الحق لا يتم إلا به.

6. التأكيد على وجود عدو محدد

الحب لا يكفي: صحيح أن الحب أساس الدين، ولكن هذا لا يكفي وحده لاستثارة النفوس وتفجير الطاقات، بل لا بد لذلك من تهييج عاطفة الخوف من جهة معينة محددة؛ فإن غريزة حب البقاء أقوى الغرائز كلها في إثارة قوى الإنسان وتوظيفها في الهدف المطلوب. ومن أول سورة نزلت من القرآن العظيم كانت هذه القضية حاضرة فيه: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى*عَبْداً إِذَا صَلَّى) (العلق:9،10). وما إن أهبط أبونا آدم  إلى الأرض حتى أنزل الله معه عدوه وخصمه إبليس، كما أخبر سبحانه فقال: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة:36). وشد القرآن أنظار المؤمنين إلى أعدائهم من الكافرين والمنافقين، وحذرهم منهم، وأمرهم بمجاهدتهم. وجود العدو سنة كونية: وهذا يعني أن وجود العدو سنة من سنن الكون. وفي ذلك يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) (الفرقان:31)، ويقول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112). والسر في ذلك – والله أعلم – أن الإنسان إذا أمن خمد، وقل نشاطه واندفاعه. فإذا تعرض أمنه إلى الخطر تحرك وانطلق، وتفجرت طاقاته من مكامنها، وبحث عمن يعينه ويعزز أمنه وحياته؛ فتزداد القوة، ويحصل التماسك بين المجموع. وهذا هو الأساس الواقعي الذي يبنى عليه التجمع والتوحد، الذي هو الشق الآخر للدين بعد التوحيد. بل إن المجموع الذي لا يحس بوجود عدو معين يرتد عدوانه إلى داخله فيتمزق المجموع. يقول جي. إي. براون: من الملاحظ أن الجماعة توجه العدوان إلى داخلها حينما تتوقف الأعمال الحربية. ويقول: إن الناس في حال الضيق يحتاجون إلى الكراهية؛ لأن الكراهية إذا أصبحت منتشرة هي أنجع العواطف توحيداً للناس . وليست هاتان الحقيقتان بعيدتين عن دعوة الإسلام وتوجيه القرآن : فنظرية الإسلام في القتال تقوم على توجيه القوى متوازية إلى الخارج، وهذا هو الجهاد. وتحرم توجيه القوى متقاطعة إلى الداخل، وهذه هي الفتنة. والقرآن يقول: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4). ولأن إبراز وجود الخصم، والتلويح به دوماً أمام أعين المؤمنين ضرورة من ضرورات العمل الصائب لهذا الدين، أكد القرآن على أهمية تحديد الخصم، ووضوح صورته في ذاكرتهم فقال: (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً) (النساء:101) وقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) (الإسراء:53) وقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) (فاطر:6). كما أنه قال: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55). وما أجمل ما قاله الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في ظلال هذه الآية: (إن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق، ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحادده ويحاربه إنما هو على الباطل، وأنه يسلك سبيل المجرمين، الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدواً منهم: ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين)) ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون عن ثقة، وفي وضوح، وعن يقين. إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح. واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات؛ ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم. فهما صفحتان متقابلتان وطريقان مفترقان، ولا بد من وضوح الألوان والخطوط . ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلاماتهم، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلاماتهم بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين). وقد أجاد المجرمون دورهم في خدمة هذه المسألة العظيمة، والتلويح لشعوبهم وأتباعهم بخطر الأعداء والخصوم، من أجل تنفيذ مآربهم، وتحقيق أهدافهم، كما تفعل أمريكا اليوم. والحال لا يحتاج إلى شرح. كما أجاد أساطين الشيعة الدور في التلويح لشيعتهم بأن الخطر كل الخطر يأتي من ناحية العرب عموماً وأهل السنة خصوصاً. ولغتهم الخاصة غنية بالمصطلحات التي تعبر عن مقاصدهم مثل: نواصب، وهابيين، إرهابيين، تكفيريين، أُمويين…إلخ. هذا إن لم يذكروا أهل السنة باسمهم صراحة. بينما فشل أهل السنة – في العراق خصوصاً – فشلاً تاريخياً ذريعاً في تجلية الخصم أو العدو الحقيقي الذي يهدد وجودهم، ويريد ابتلاعهم وتدمير هويتهم الدينية والقومية، بل والوطنية ! ألا وهو الشعوبيون ، والمستعجمون ، وإيران وذيولها . أو – باختصار – أصحاب التشيع الفارسي الذين يمثلهم عموم الشيعة في عراقنا إلا من رحم ربك. وهذا الفشل الغبي هو الذي خدر أهل السنة خاصتهم وعامتهم، وساعد في تشتيت صفهم، وترسيخ تفككه، وضعف تماسكه؛ لأن قادتهم من الدعاة والمشايخ والعلماء والمفكرين والسياسيين – إلا أقل القليل – دس رأسه في الرمل عن رؤية الخصم الحقيقي، ونصيحة أهله في تشخيصه، وتحذيرهم منه. وظلوا يخادعون أنفسهم بالعبارات التقريبية الزائفة حتى وقعت الواقعة، فلم يبق بيت من بيوت أهل السنة إلا ودخلته الفتنة على يد عصابات الخيانة والغدر الشعوبي: بدءاً باستقدام الكافر المحتل، ومروراً بخدمته، وتقديم جميع أنواع العون والمساعدة له. وبعد (خراب البصرة) – كما يقولون عندنا في العراق – صاروا يتحدثون على استحياء ابنة شعيب إلى (الإخوة) الأعداء. فمن يتحمل المسؤولية؟!! وإذا كان الله جل وعلا قد حذر المؤمنين حتى من الزوجة والولد ووصفهم بالعدو في حالات معينة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن:14) فكيف بمن يغطي الحقيقة الصارخة ولا يحذر أبناء جلدته من العدو الحقيقي الذي انتشر كالسرطان في جميع مفاصل المجتمع؟! السياسة اللادينية تسلك أسلوب ترهيب الجماهير من العدو المحدد، والسياسة الدينية أو الشرعية تسلك السبيل نفسه. الفرق بينهما في المصداقية والهدف النبيل، وليس في المبدأ نفسه. وبهذا يتبين أن أصحابنا لم يسلكوا لا سبيل الدين، ولا سبيل السياسة. وهذا هو المؤشر على عامة الحركات الدينية في زماننا التي دخلت معترك السياسة. إن أساليبها قديمة، أو لا يحسنون تنزيلها على مواردها، إلا من رحم. إن العدو الأول لنا في العراق هو الشعوبية وأهلها من عموم الشيعة الموالين لإيران، والسائرين في ركب ذيولها عندنا من أمثال السيستاني وآل الخوئي وآل الحكيم وآل الصدر ومن لف لفهم، وسار في ركبهم. هؤلاء هم أعداؤنا، لا يختلف أحدهم عن الآخر إلا بالدور المكلف به في خدمة المسرحية الجامعة. فالمسرحية واحدة، والهدف واحد وإن تنوعت – أو توزعت – الأدوار بين أعضاء الجوقة. وإذا كنا نعذر أحداً من خارج العراق – لسبب أو آخر – في عدم الاهتداء إلى هذا التشخيص، فلا يمكن الاعتذار لأحد من أهل العراق إذا أخطأ فيه، خصوصاً بعد كارثة الاحتلال، وبروز العمالة الشيعية سافرة فيه إلى البلعوم. يقول د. ماجد العرسان: (الغرب هو التحدي الأكبر لدار الإسلام. وهو تحد عنيد مستمر كلما هلك جيل من الغرب خلَفه جيل آخر ذوي صبر على متطلبات المواجهة وتكاليفها… أما الخطر الشرقي الذي كانت تمثله فارس فقد انهار بعد نطحة أو نطحتين: مواجهة في القادسية وأخرى في نهاوند ثم لا فارس بعد، وإنما تحولت إلى منعطف جديد استمر في أيامنا الحاضرة) . وأنا وإن كنت لا أهون من شأن الخطر الغربي، لكنني لا أرى التهوين من شأن الخطر الشرقي يقوم على أسس علمية: لا واقعية ولا تاريخية. وأصحاب هذا التنظير إنما يحملهم عليه عدم اكتوائهم بنار المؤامرات الفارسية المستمرة على العراق وأهله. وذلك لبعدهم عنها، ما يؤدي إلى سهولة انخداعهم بمعسول كلام الفرس ودعاواهم الكاذبة. وهذا هو الذي يجعلهم في غير ما حاجة إلى قراءة تاريخ العراق القديم والحديث، وإذا قرأوه لا يركزون على المفاصل الحرجة الخاصة به؛ لأنهم ليسوا من أهله. وهذا شيء طبيعي، ولو كنتُ أنا من غير العراقيين لربما حذوت في ذلك حذوهم. فأنا لا أنتقد الشخص نفسه، وإنما أنتقد تقريره، وأعتذر له. كما أقول له ولغيره: إن التاريخ يشهد أن جميع الحضارات التي قامت في العراق منذ فجر التاريخ وإلى يوم الأربعاء الأسود (9/4/2003) كانت نهايتها على يد الفرس: إما مباشرة أو بالواسطة. أما الواقع فما عاد في حاجة إلى بيان! وأما (النطحة والنطحتان) الواردة في الحديث الشريف فلا تشير إلى أكثر من زوال دولة الفرس الرسمي، على غير ما كان عليه الأمر بالنسبة إلى الروم. وقد تحولت فارس بعدها إلى أكبر مستودع وأخطر حاضنة للنفاق والحركات النفاقية على وجه الأرض. وقد قامت بأخطر الأدوار في التاريخ في الكيد لدولة العرب والمسلمين. وكثيراً ما تحالف الفرس مع الصليبيين لمحاربة دولة الإسلام، وهم الذين تآمروا معهم على عهد الصفويين فأوقفوا الفتح الإسلامي داخل أوربا. وجود العدو ضرورة لتوحيد الجمهور: وأخيراً أقول لكل العاملين من أهل السنة وخصوصاً السياسيين: إن توحيد الجمهور وتجميعه لا يمكن أن يتم من دون أن تثار لديه غريزة الحياة وحب البقاء من خلال شعوره بخطر يتهدده من قبل عدو يتربص به. ومن أوضح الأدلة على ذلك موقف أهل السنة من الدستور وزحفهم بالملايين للتصويت ضده، يوم شعروا بالخطر الداهم الذي يستهدف وجودهم، ويغتال هويتهم. وكذلك موقفهم من الانتخابات التي تلته، واندفاعهم لها دفعاً للخطر الداهم. فالحب وحده والتسامح الأبله بضاعة الضعفاء الحالمين، وديننا دين القوة والواقع. وليس من خطر أكبر من خطر الشعوبية، التاريخ والواقع يثبت ذلك. ولسنا في حاجة ولن نرضى بمن لم يقرأ تاريخنا، ولا يعيش واقعنا. فنصيحتي لكم إذا أردتم النجاح في الوصول إلى أهدافكم أن تجمِّعوا الناس في العراق حول هذه القضية الكبرى. وإلا فإن
أخوف ما أخافه – إذا خرج المحتل – أن ترجع إليكم لوثتكم الترضوية القديمة، وعندها سينفض الناس عنكم كل إلى (حال سبيله)؛ فما عاد من خطر يجمعهم. في الوقت الذي يكون فيه جمهور الشيعة متحفزين تمام التحفز للإجهاز على البقية الباقية من جمهوركم. (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) (النجم:59-61). كل عظماء العراق حاربوا الفرس: كما أعظكم بواحدة، وأذكِّركم بحقيقة عظيمة هي أن كل من برز من قادة العراق ورجاله في كل أدوار التاريخ إنما انبنت عظمته وشهرته على موقفه من المد الفارسي. واذكروا إن شئتم أوتوحيكال وسرجون وحمورابي ونبوخذ نصر وآشور بانيبال وسميراميس، والنعمان والمثنى وزياد والحجاج والمنصور والرشيد، وصلاح الدين. حتى الإمام أحمد فإنه لم يكن مجرد عالم قاده التطلع العلمي والواجب الديني المجرد إلى ما قاده إليه. إنما كان صاحب قضية لا تختلف عن قضيتنا اليوم، تصدى من خلالها للمد الشعوبي متمثلاً بهجمته على العروبة، والقرآن، والحديث النبوي، والعقيدة الإسلامية؛ فدافع عن فضل العرب، ونافح ضد الزمرة الشعوبية والبطانة الفارسية متمثلة بابن دؤاد وزمرته القائلين بخلق القرآن، ووقف ضد محاولات الزنادقة العجم واختلاقهم للأحاديث الباطلة ونشرها بين الناس ودسها في كتب الحديث. وكان في ذلك كأنه الشخص الذي تجمعت فيه أصالة العراقيين، وتاريخ بني شيبان فظهر – وما كان للعراق إلا أن يظهر فيه مثله – ليمثل كرم الأصالة، وعنفوان التاريخ. وقد كان صدام حسين قارئاً جيداً للتاريخ حين ابتدأ ولايته بالتصدي للهجمة الفارسية السوداء. ولولا بعض العوارض ومنها ما ارتكبه من أخطاء بعد ذلك، وما هو معلوم من سيرته لكان من أعظم القادة في تاريخ العراق. على أنني أقول: إن الشوط ما زال بعيداً ليقول التاريخ فيه قولته، ويحكم عليه بحكمه، ومن عاش فينا سيسمع عمن تصدى للريح الشرقية الصفراء وأذل خشم نافخ كيرها (لع)، وجرعه كأس السم، وحرر المحمرة والأحواز غير ما يسمعه اليوم. وهكذا فكل من أراد أن يقود العراق لا يمكن أن يقوده ما لم يتقدم بموقف كبير يتصدى به لإيران وذيولها من الشعوبيين والشيعة المتفرسين. والمستقبل بيننا حكم، إن لم ينفع المنطق والشرع والتاريخ. (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر:44). 7. العلاج بالصدمة

مما تعلمناه على عهد الدراسة الطبية أن بعض الأمراض النفسية لا يعالجها شيء مثل تعريض المريض إلى صدمة علاجية، أو رجة كهربائية. فالمريض الذي يعاني من رهاب بخصوص بعض الحشرات كالصراصر مثلاً يعالج بإدخاله إلى موضع يعج بالصراصر ويقفل عليه الباب وهو معها، وبعد أن يصرخ ويصرخ تتفرغ شحنته العُقدوية ويشفى مما به من مرض. والعلاج بالكهرباء معروف لكل الناس، سواء بالنسبة إلى الأمراض النفسية أو الجسدية، فالسكتة القلبية مثلاً لا ينقذ المصاب منها كما ينقذ بالرجة الكهربائية. وأعتقد أننا نحتاج لمثل هذا العلاج مع الشيعة، ومع السنة أيضاً. أن نصدمهم بالحقيقة المرة، ونصكهم بها في آذانهم، ودعك من صراخهم؛ فقد وصل المرض إلى حد الغيبوبة.

8. الهجوم

“الهجوم خير وسيلة للدفاع” حكمة معروفة في أوساط الناس، وإن كانت في الأصل قاعدة من قواعد العلم العسكري. كما أنه من المعروف عسكرياً أن الدفاع لا يحقق النصر، إنما النصر يكمن في التعرض للعدو والهجوم عليه. وغاية الدفاع هو رد الخصم دون دحره، ما لم يتبع ذلك بمطاردته، أي الهجوم عليه. وكذلك الشأن في المعارك العقائدية والثقافية. المهاجم يشغل خصمه بالدفاع عن نفسه، وبذل الجهد في تبرير مواطن الضعف التي وجهت إليها سهام النقد، ومحاولة سد الثغرات التي تنفذ منها تلك السهام. وكثيراً ما يركن إلى الموادعة والسكوت طمعاً في سكوت المقابل، واستجداءً لعطفه وموادعته. وهكذا يبدأ الانهيار الثقافي، وتغزى الأمم في ثقافاتها ومرتكزاتها الفكرية والعقيدية، تمهيداً لغزوها عسكرياً وهزيمتها ودحرها في ميدان القتال. وهذا هو شاهد حالنا اليوم في العراق. والناظر في دعوات الأنبياء عليهم السلام، وكل الدعوات التغييرية الأخرى – الإصلاحية منها والإفسادية – يجد أنها لم تقف من مجتمعها أبداً موقف الدفاع، وإنما بدأت بتحديد مواطن النقد أو الخلل، ثم راحت تهاجمها علناً وعلى رؤوس الملأ. والقرآن الكريم وسيرة النبي  وغيره من الأنبياء عليهم السلام تشهد بوضوح على ذلك. وأكتفي بموضع واحد من القرآن هو قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة:4). وتأمل ما في هذا الأسلوب من نتائج تغييرية جماعية بشرط أن تأخذ استحقاقها الزمني، وتتوفر لها الأرضية الصالحة للتحرك، وذلك ما لم يحصل لسيدنا إبراهيم  : الإعلان القوي بالبراءة وإظهار العداوة وإبداء البغضاء والكراهة يؤدي إلى هيجان المجتمع، وزلزلته فتنتشر الدعوة وتصل إلى كل زاوية فيه، وتثور المناقشات والمجادلات، ويحصل تبادل في الأفكار والآراء. كل ذلك بسرعة لا تقارن بها سرعة حدوث هذه التفاعلات في حالة الأساليب الترضوية، فيكثر المؤمنون من طلاب الحقيقة، وتهتز قناعات الآخرين. يحدث هذا على مستوى المجتمع كله، وليس على مستوى أفراد معدودين. وعندها يمكن استغلال النتائج الحاصلة واستثمارها لإكمال الشوط إلى نهايته كما فعل الرسول  . من هذه النقطة، من البراءة والعداوة تبدأ الخطوات المباركة نحو التغيير الجماعي كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في سياق الآيات السابقة: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة:7) لا كما هو ديدن الترضويين الذين يتطيرون من كل ما يمكن أن يثير إزعاج الآخر، أو يعكر صفو مزاجه الرائق، وذوقه الرفيع. أما المدافع فيمثل الكفة الأضعف في المعادلة، ولولا ضعفه لما غزي في عقر داره؛ فإنما يغزى الضعاف. ولولا ضعفه لكان هو الذي يبدأ ويغزو ويهاجم. حين رجعت من الحلة إلى بلدتي (المحمودية) أواخر عام 1997 كانت الأسئلة تنهال عليّ من قبل الشباب السني: هل صحيح أن الرسول  أخذ البيعة لعلي  عند غدير خم؟ ما معنى آية الولاية؟ وهل أن علياً تصدق في صلاته بخاتم فنزلت الآية بسبب ذلك؟ وما علاقتها بالإمامة؟ ما تقول في معركة الجمل؟ ولماذا (خرجت) عائشة على علي؟ هل صحيح أن عمر  قال عن النبي  : إنه يهجر؟ وأن ذلك في صحيح البخاري؟ ما دليل الأوقات الخمسة في الصلاة والله يقول: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء:78)؟ وكانوا يأتونني بأحاديث عديدة مشكلة في البخاري ومسلم يحتج بها الشيعة عليهم فلا يستطيعون الإجابة الشافية عنها. وغيرها وغيرها من الأسئلة والإشكالات التي صارت تشغل عقول أبناء السنة، ويتلفتون حولهم، ويذهبون إلى المساجد فلا يسمعون ما يُروي غليلهم ولا يشفي عليلهم، سوى كلمات (التقريب) وعبارات من مثل: لا فرق بين الشيعة والسنة، الدين واحد والرب واحد إلخ… ونحن نحب أهل البيت، وأهل البيت كذا.. وكذا. وما شابه ذلك من العبارات الانهزامية التي جرأت على حمانا صعاليك الأرض، وشذاذ الآفاق. ومن خلال ذلك توصلت – بما يشبه القناعة – إلى أن الحال إذا استمرت على ما هي عليه فإن العراق سيتحول إلى شيعة خلال خمسين سنة! إن التقهقر إلى الدفاع أول الخطوات في طريق الهزيمة. وكنت أوجه السائل – بعد أن أجيبه على سؤاله وأوضح له حقيقة الأمر – إلى أن يهاجم لا أن يدافع، وأن يورد هو الإشكالات على الآخر ولا يكتفي بتلقيها منه. وأزوده بمجموعة منها. وكنت أقول للسائل وغيره: بدلاً من أن يشغلوكم بعشرين حديثاً مشكلة في البخاري أشغلوهم بألوف من الروايات الساقطة في كتاب الكليني. وبدلَ أن يشغلوكم بعدة آيات مشكلة من القرآن قولوا لهم: (إن هذه الآيات كلها متشابهة، فأتونا بآية واحدة محكمة شاهداً على أعظم أصولكم ((الإمامة)) فما دون؛ ونحن نسلم لكم بما تقولون). خذوا زمام المبادرة واهجموا ولا تدافعوا. قولوا لهم: (إن أصولكم باطلة لا أساس لها من محكم القرآن، وإن رواياتكم موضوعة وصلتكم عن طريق الزنادقة والكذابين). لا تشغلوا أنفسكم بذكر حبكم لأهل البيت فإن هذا لن ينفع معهم، وألقوا في أحضانهم بفضيحة كراهة الصحابة وسبهم والطعن بأشرف النساء وأطهرهن أمهات المؤمنين. وبدل أن تدندنوا حول كونكم من محبي أهل البيت وأتباعهم قولوا لهم: (أنتم مخالفون لأهل البيت ولا علاقة لكم بهم ما دمتم تخالفون منهجهم ودينهم. إن أهل البيت بريئون ممن يغلو فيهم ويرفعهم إلى مصاف الأنبياء أو مرتبة الإله. إن هذه العقائد التي أنتم عليها فارسية مجوسية لا ينفع معها التستر ولا الترقيع). هاجموا إيران وكل من انتسب إليها من الشعوبيين والمستعجمين. دعوهم يشعرون بالنقص تجاه عقائدهم وعمالتهم وحبهم لإيران، وسترون النتيجة! وتلقف الصادقون المخلصون الفكرة وساروا بها، فما مرت سنتان حتى انعكس الأمر وتغيرت الحال إلى الضد تماماً، إلى درجة أن أحدنا صار لا يكاد يجد شيعياً يقبل الوقوف معه للنقاش! بل إنه يهرب عند أول إشارة لتحول الحديث إلى الموضوعات الخلافية، ويطلب التوقف أو الانصراف متحججاً بأن مراجعه أمروه بعدم الخوض في مثل هذه المسائل. فكنت أضحك وأقول: لقد قطعنا شوطاً كبيراً باتجاه الهدف. هذا هو الطريق، فيا ليت قومي يعلمون!. يقول أحد علماء الاختصاص الغربيين وهو جي. إي. براون: أكبر غلطة ارتكبتها الدعاية الألمانية (في الحرب العالمية الأولى) أنها كانت دفاعية باستمرار، باذلةً جهودها في التأكيد على أن الدعاية الموجهة من قبل الحلفاء كانت غير صحيحة وغير منصفة. وفي هذا انتهاك لواحدة من أُولى قواعد الدعاية وهي أن رسالة صاحب الدعاية ينبغي أن تكون إيجابية باستمرار. إن محاولة تصحيح أخبار الدعاية ((غير المنصفة)) تؤدي إلى شيء واحد وهو إحياء العبارات التي استعملتها الدعاية المعادية في أذهان من تلقوها، ونشرها بين الذين لم يكونوا ليسمعوها لولا تلك الطريقة . لقد اعتمد الشيعة على مبدأ الهجوم والدعاية في نشر أباطيلهم . أما نحن فغاية ما فعلناه هو الدفاع والدفاع الضعيف وباستمرار خصوصاً في منابرنا العلنية التي هي المصدر الأهم في تثقيف المجتمع وتعرفه على الحقيقة . 9. النفرة

صحيح أن هذه الأساليب تتسبب في نفرة المجتمع في بداية الأمر ، وإثارة المشاكل
كما حصل لرسول الله  . ولكن ذلك ليس دليلاً على عدم جدواها. بل العكس هو الصحيح. وليس العلاج بالترك والنكوص. ومن قال بذلك فإنه لا يعرف مراحل العلاج أو محطات السير. لقد واجه الرسول  هذه المشكلة مشكلة نفرة الناس عنه، لكنه لم يسعَ إلى تجنبها بكل وسيلة، حتى ولو كانت هي المجاملة أو التخلي عن الصدع بالحق والجهر بإنكار ما عليه النافرون من باطل طمعاً في تقريبهم كما هو حالنا اليوم. بل واجههم بما يزيدهم نفوراً حين شبههم بالحمير! فقال تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر:49-51). وحمّل نفوسهم المريضة بالكبر، وعدم الخوف من الآخرة مسؤولية الإعراض عن الحق فقال: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً * كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ) (المدثر:52،53). ولعل في صيغة (استفعل) في كلمة (مستنفرة) ما يشير إلى أن النفرة عن الحق مركوزة في نفوسهم؛ فهي مطلوبهم ومبتغاهم، فالأمر كما قال سبحانه عن ثمود: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت:17) فجاء التعبير في كلمة (استحبوا) بصيغة (استفعل)، أي هم أرادوا واختاروا وطلبوا العمى وحملوا أنفسهم عليه! ثم بيَّن من موقع الفوقية والعلو والعزة أن من شاء الهداية فليفعل، ومن لم يشأ فالأمر متروك له. على أن الهداية شيء عزيز لا يوفق الله إليه إلا من يستحقه. وقد لا يكون هؤلاء مستحقين لذلك، فقال جل شأنه: (كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) (المدثر:54-56). فمن قال: إن نفرة النافرين حجة على صحة الدعوة، ومقياس لخطئها من صوابها، فليس ممن يفقه سنة التغيير، ولا ممن قرأوا التاريخ جيداً، أو وقف يوماً يتمعن الآيات السابقة، وما في معناها من كتاب الله. بل أستطيع أن أقول (وهذا ما ذكرته في كتابي السالف الذكر): إن التغيير الجماعي يبدأ من هنا؟! من الإثارة والنفرة وتحريك السواكن الجامدة والعقول الخامدة. وإنه ما من دعوة من الدعوات نجحت إلا وبدأت هذه البداية. نعم! سينفر المجتمع أولاً. وهذا لا ينبغي أن يجرك إلى أن تغير خطتك أو تنحرف عن خطك. بل استمر في سيرك ودعوتك وأعلِ من نبرتك وهذا سيؤدي إلى.. نفور أكثر! فاستمر على ما أنت عليه وسترى!
سيأتي يوم فيه يصمتون. عندها أعلم أنهم أصيبوا بالذهول، وأن الصدمة قد بدأ مفعولها وأنهم بعد حين تتحرك خلايا أدمغتهم الجامدة المتحجرة وتتشكل من جديد لتبدأ بالانتباه بشيء من الجدية إلى ما تدعو إليه، والتفكر فيه. سيقولون في أنفسهم: لولا أن ما يدعو إليه هذا الداعي حق لما تمسك به هذا التمسك، فهل نحن حقا على باطل؟! وهذا أول علامات الوهن والانهيار في جدار الباطل. إنه الصمت والتأمل. وهنا يتحول أهل الباطل من حالة الهجوم وإلقاء الشبهات والضجيج والمطالبة بعقد حلقات الجدل والنقاش إلى حالة أخرى تتمثل بالهروب وعدم المواجهة، والاكتفاء بحالة الدفاع عند الاضطرار. فاعلم أنك قد قطعت شوطا كبيرا في سيرك بالاتجاه الصحيح. لقد انتهت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى. انتهت مرحلة الهجوم، وبدأت مرحلة الدفاع. عليك هنا أن تستثمر الحالة وتحول دفاعك إلى هجوم لتقضي على آخر سواتر المقاومة لخصم قد انهزم نفسيا وفقد الحماس في الدعوة إلى أفكاره المنحرفة التي بدأت تتزعزع ثقته بها حتى مع أبنائه وعائلته. أي أن الجيل القادم سيكون ضعيف التعلق بباطله ويكون – هو والجيل الذي بعده – من حصة أهل الحق إن شاء الله. إن الجيل الأول عموماً لا بد أن نقبل خسارته ونفرته – هذا على أسوأ الاحتمالات – ثمناً لربح الأجيال القادمة بشرط أنْ تتضافر الجهود للدعوة بهذا الأسلوب وأن لا يقف الترضويون حاجزاً أمامها يصدون ويوعدون مع أملنا بالمخلصين منهم أن يلتحقوا بالركب السائر في طريق الأنبياء. على أن هذا لا يلزم منه أن لا تظل عصابة – لا سيما الرؤوس والمنتفعون والمغرضون – تثير الفتن وتحاول الكيد بشتى الوسائل والأساليب. وهكذا فعل رسول الله  . وبغض النظر عن تفاصيل المراحل التي مرت بها دعوته – إذ لكل مرحلة ظرفها الذي يصنعها مما يؤدي إلى اختلاف أو تشابه المراحل بين الدعوات وقد تختلف في تفاصيلها تبعا لتشابه الظروف وتسلسلها – فإنه  صدع بالحق وجهر بالدعوة وسفه آراء المجتمع وضلل آباءهم وشتم كبراءهم وفضحهم وفضح أباطيلهم. ولولا هذه الشدة وهذا الهجوم العنيف لما رضخ المشركون وجاءوا إليه صاغرين يتوسلون – للوصول إليه – بالملك والمال والنساء، مقابل شيء واحد هو أن يدعهم وشأنهم. بل كانوا يطلبون إليه أحيانا أن يسكت مجرد سكوت عن تضليل آبائهم وتسفيه آرائهم، ولكنه يصر – في مقابل ذلك كله – على ما هو عليه! فماذا كانت النتيجة؟ تقربوا إليه أكثر فعرضوا عليه حلاً وسطاً أن يعبدوا إلهه وحده فترة ويعبد آلهتهم مثلها. لكنه يجيبهم بصراحة وغلظة ويرمي بها في وجوههم:قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. هذا هو المنهج. فمن وجد في نفسه القوة وعلو الهمة، فليمض على نوره وهداه، وإلا فليدع الخلق وشأنهم.

10. لا بد من المشكلة

قال لي أحد (ركاب المنابر) في مدينتنا منتقداً ومعنفاً: أنتم تعملون مشاكل، وتفقدون منابركم. لقد مر بي في مسجدي عشر سنين لم أعمل مشكلة. فأجبته: لأن أبقى في مسجد سنتين أقول فيهما (كلمتي) وأمضي، خير لي من أن أظل أدور في مكاني عشرين سنة وكلمتي في حلقومي، كلما أردت قولها غصصت بها حذر المشاكل. أما إنك لو بقيت مائة سنة ما قلت شيئاً، ولا فعلت. ما الفائدة من صعودكم المنابر، إذا كان اليوم الذي تغادرونها فيه كأنه هو اليوم نفسه الذي طرقتم فيه خشبتها أول مرة، لم يتغير من حالكم ولا حال الناس شيء؟!! والحقيقة أن مكلمي هذا كثيراً ما حصلت له مشاكل، ومع المصلين، لا غيرهم! ولكن غالبها شخصية، وليست من أجل الدين أو (القضية). ومن فوق منبر جامع (أم القرى) قال “الصميدعي” في خطبة جمعة في ربيع سنة (2006) متحدثاً عن المجازر التي يتعرض لها أهل السنة: “سنطالب الحكومة بوقف نزيف الدم، وإلا.. (وإلا ماذا أيها السميذع؟) وإلا سنرفع شكوى إلى المنظمات العالمية من أجل التدخل لعلاج الكارثة”. وعلى طريقة (شر البلية ما يضحك) أقول: يذكرني هذا بطرفة تروى عن جحا. قيل: إنه ذهب يوماً إلى قرية بعيدة لا يعرفه أحد من أهلها، فسرق حذاؤه. فما كان منه إلا أن قال مهدداً: ائتوني به، وإلا فعلت بكم ما فعل أبي من قبل. ونظر القوم إلى عمامته وهيئته فهابوه، وحسبوه أميراً من الأمراء. فأجهدوا أنفسهم حتى وجدوا حذاءه، وجاءوه به. ولما لبسه وتحرك لينصرف قالوا له: هلا أخبرتنا عن أبيك ماذا فعل من قبل؟ وبكل بساطة أجابهم: لقد سرق حذاؤه، ولما لم يجده له أحد ذهب إلى بيته حافياً! انظر إلى هذا. ثم انظر إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:34). قلت في ضوء هذه الآية وما في معناها من قبل: كل دعوة نجحت على مر التاريخ شكلت في زمانها مشكلة اجتماعية كبيرة في مجتمعها في أول مرحلة من مراحلها! خذ الثورة العلمية الأوربية مثلاً: كم عانى العلماء من الاضطهاد والتشريد والقتل والتحريق على يد الكنيسة! لو لم يشكل أولئك العلماء الأفذاذ المناضلون مشكلة كبيرة هددت الوجود الباطل لدى (رجال الدين) هل كان يحدث هذا؟ ولو لم تمر تلك الدعوة أو الثورة بهذه المرحلة أو المشكلة أكان بالإمكان أن يكتب لها النجاح؟ تصور! لو أن كل عالم أسر بما عنده لمن يثق به فقط ، واقتصر بدعوته على مجالسه الخاصة. أما في العلن والمحافل والمنتديات فيجري تمجيد الخرافة على حساب العقل، ومجاملة الجهل على حساب العلم، ومداهنة الكنيسة تجنباً للمشاكل – هل كان قد حصل التغيير المطلوب؟! بل ستذهب دعواتهم هواءً في شبك، وصيحة في واد. والأحناف الموحدون كانوا موجودين في المجتمع العربي. ولقد كانوا يتمنون الإصلاح ويقومون ببعض ما عليهم من بيان للتوحيد وإنكار للشرك ولكن.. بـ(هدوء) ودون إثارة، وبالقدر الذي لا يسبب (مشكلة). فهل استطاعوا إصلاح المجتمع وإحداث التغيير المطلوب؟ كلا.. هل تعلم لماذا؟ لأن الطبخة لم تنضج على نار (المشاكل) التي لا بد منها ليكون الطعام سائغ المذاق. لقد كانوا يدركون حجم ما يسببه لهم التغيير والإصلاح من مشاكل ما كان عندهم الاستعداد لمواجهتها وتحملها، فكانوا يتحاشونها لأنها كانت تمثل لديهم – كما لدينا اليوم – إشارة الخطر الحمراء التي لا بد عندها من تخفيف الضغط حتى ينزل السهم أو الإشارة دونها. هذا ورقة بن نوفل رضي الله عنه – كما جاء في رواية البخاري – يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أول يوم حين أتاه يستعلمه حقيقة ما رآه من أمر الوحي، ويخبره قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بهذه الحقيقة الخطيرة والسنة التغييرية الاجتماعية أو العقبة التي لا بد من اقتحامها: (يا ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك فأنصرك نصرا مؤزرا) فيسأله مستغربا: (أوَمخرجيَّ هم؟!) فيجيبه: (ما جاء أحد قومه بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ وأوذي). المشكلة أن الكثيرين لا يريدون أن يتسببوا في مشكلة، ولا يتحملوا الآثار الجانبية للعلاج. ويجعلون من أي حالة عارضة غير مرغوبة دليلاً على الفشل. وهذه عقبة ما لم نقتحمها ونتجاوزها لنذوق حلاوة عاقبتها فلن نصل إلى الهدف أبدا. إن كثيراً من المشايخ اليوم والدعاة والمفكرين والمسؤولين يمثلون دور ورقة بن نوفل، ونحن بأمس الحاجة إلى دور محمد بن عبد الله. ولعل بعضهم لا يريد أن يكون في واجهة المواجهة، فإذا تقدم الصفوف غيره كان من ورائه ينصره ويؤازره. افترض أن الأحناف قد كثروا في تلك المجتمعات حتى صاروا يعدون بالمئات، وظلوا عشرات السنين بل مئاتها يهمسون بدعوتهم هنا وهناك دون أن يرتقوا بها إلى مستوى (القضية)، ويبلغوا بها سطح الأحداث لتكون هي الأولى وهي (المشكلة)، هل كانوا يحققون هدفهم وأمنيتهم من التغيير المطلوب على مستوى المجتمع كله ما لم يخرج من بينهم (محمد)؟ ونحن..؟ لن نفلح ما دمنا نمجد محمداً بأقوالنا، ونصنع ما صنع ورقة بأفعالنا!

11. تغيير المجتمع مقدم على زيادة العدد

قد تؤدي المجاملة على حساب الحقائق المزعجة إلى كسب سريع لعدد من الأشخاص قلوا أم كثروا. هذا صحيح وواقع. وقد يغري هذا العدد البعض من (الدعاة) ويجعلهم يتوهمون النجاح دون أن ينتبهوا إلى أن الثمن المدفوع مقدما مقابل هذا النجاح الموهوم باهض جدا لا تعوضه كل الأرباح المتوهمة؛ لأنه هو المجتمع نفسه! فنكون قد ضيعنا الكل مقابل جزء لا قيمة له: لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية. أما الكمية: فما قيمة عشرة أشخاص أو مائة أو حتى ألف في هذا المجتمع المتلاطم؟ ومن باب الطرفة غير البعيدة عن الواقع نقول: إن هذا العدد يمكن الحصول عليه بوسائل أخرى أكثر (هدوءاً)، وأبعد عن حصول المشاكل. مثل تشجيع الزواج المبكر، وتعدد الزوجات، دونما داع لهذه الجهود المضنية المزعجة. وأما من حيث النوعية فإن أغلب هؤلاء الأفراد عادة ما يكون تغيرهم دون المستوى المطلوب. فيظلون يعانون من رواسبهم القديمة التي يعجز المنهج الترضوي عن إزالتها. فهم معرضون للاهتزاز والارتكاس بمجرد أن يسمعوا كلمة الحق والحقيقة المزعجة. أفنظل نكتم عنهم هذه الكلمة؟! فما قيمة الاجتماع على الباطل؟! ليس هذا فحسب، وإنما سيمارس هؤلاء دورهم بلا وعي في نقل أمراضهم ورواسبهم إلى المحيط السني. إن أنصاف المتغيرين هؤلاء يشكلون خطراً على الصف الداخلي، وذلك من عدة نواح: أخطرها أن هؤلاء الأنصاف – إذا لم تتوفر لهم فرصة التغيير المطلوب – سيحسبون مستقبلا على أهل السنة، وسيكون منهم الخطيب والأستاذ والمحاضر والكاتب والمتدين العادي. ولا شك أن ما سوف يطرحونه من عقائد وسلوك وشعائر وطقوس سيكون مخلوطا وليس صافياً. وعندها – وبعد اكتسابهم الهوية بتأثير الزمن – سيستقبل الوسط السني هذا الخليط على أنه هو الدين الحق، لتبدأ مرحلة يمارس فيها هذا (الصنف – النصف) دوره – بقصد أو بغير قصد- في تنصيف أهل السنة إلى أن يتغير وجه السنة الحقيقي، ويصير غريبا حتى على أهله. وهي مرحلة متقدمة باتجاه التشيع. إن هذا (الصنف – النصف) – ما لم نقطع معه الشوط إلى نهايته طبقا إلى المنهج القرآني لنغيره التغيير المطلوب – يشكل علينا خطراً مستقبلياً لا يقل عن خطر الفرس حين دخلوا في الإسلام جملة واحدة، واكتسبوا الهوية على عجرهم وبجرهم، فقاموا بأخطر الأدوار في هدم دولة الإسلام. ناهيك عن تسلل المدسوسين فيما بيننا – إذ يوفر لهم المنهج الترضوي جميع أسباب الحماية ومظلات التستر والاختفاء – ليعملوا عملهم في تخريب الصف وكسب ما يستطيعون كسبه إلى جانبهم عن الطريق العلاقات الشخصية وإثارة الشكوك وإلقاء الشبهات في أوساط أهل السنة والتأثير عليهم بشتى الوسائل والحيل.

12. الرد بالمثل

يقول تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194). فالاعتداء يقابل باعتداء مثله. وإلا حصل التمادي؛ فكان الاعوجاج. وذلك بسبب الاعتدال والاستقامة التي لم توضع موضعها. والذين يحاكمون الأمور محاكمة ذهنية مجردة لا يعرفون متطلبات الواقع. ولا يفهمون الإسلام حق فهمه. وهذه سطور اقتبستها من كتاب (تجديد الفكر الديني) للدكتور حسن الترابي، يتحدث فيها عن سنة من سنن التغيير الاجتماعي. يقول تحت عنوان: الاعتدال أم الإقدام: أن يكون الاتزان بين الثبات والتطور حكمة مطلوبة، فإن مخاطبة المجتمع المسلم الحاضر بمعاني المحافظة والحذر من التغيير بقدر مساوٍ لمخاطبته بدواعي النهضة والحركة، إنما هو في مثل ظروفنا وضع للأمور في غير مواضعها، وسبب لإضرار بالغ بالمجتمع ودينه. والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة أن نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة. وأن نصيح له أن تيقظ! جاهد! اجتهد! حتى إذا جاد بالحركة وتباركت نهضته لدرجة نخشى عليه فيها الجنوح والفوضى عندئذ يجوز أن ندعوه لما هو الأسلم والأحوط… وهذه الروح في تربيتنا الدينية لا بد من أن نتجاوزها الآن ولا نتواصى اليوم بالمحافظة بل لا ينبغي إطلاق الدعوة إلى الاعتدال لأننا لو اعتدلنا نكون قد ظلمنا ولو اقتصدنا نكون قد فرطنا. أما وقع التجديد الديني من حيث اللطف أو العنف فإنه يأتي تبعاً لظروف التحول الاجتماعي. فحين تكون عهود الفترة قد تطاولت وآثار الجمود تراكمت لا يولد العهد التجديدي إلا بعسر شديد، ولا يتم إلا بمجاهدات عظيمة. ويمكن أن يسمى الأمر عندئذ بعثاً أو ثورة لعظم النقلة بين الموات القديم إلى الحياة المنبعثة وفور الحركة الطارئة على السكون القديم. ولما كانت حدة المفارقة وشدة وقعها تستفز القديم المستقر وتزلزل قواعده الجامدة فإن التجديد يغلب أن يستصحب شيئاً من الحدة والشدة فتأتي لغته لاذعة صافعة وتأتي تدابير تنفيذه كثيفة عنيفة. وتؤدي المدافعة الجهادية إلى مجابهة بينة تنصب القديم وحلفاءه في وجه القائمين بالجديد. والأولى بالمسلمين بالطبع أن يرفقوا في الجدال فلا يقولوا إلا التي هي أحسن، وأن يتجنبوا الفتنة والقتال إلا إذا استحكم البغي وصار الجهر بالسوء والانتصار بالقوة ضرورة يقتضيها الواجب من الدين. إن الجمود والثورة كليهما سبب فتنة في الدين. بل يغري أيهما بالآخر. ذلك أن الجمود يؤدي إلى أن يخلد الإنسان في مقامه بينما يقتضي الدين مقاماً جديداً فتزداد الشقة والغربة بينه وبين دينه، ويزداد بانسلابه من الدين تصلباً في أوهامه وأهوائه حتى لا يترك رجاء للإنابة الرفيقة، ويصبح الإصلاح العنيف لزاما ليكسر حدة المقاومة ويستدرك كل القصور المتراكم ، وتنبعث الثورة التي تقع عندئذ بقوة اندفاع هائل لتحقيق الإصلاح الشامل( ). ومن شواهد ذاك في القرآن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (البقرة:177) مع أن التوجه إلى الكعبة ركن من أركان الصلاة لا تتم إلا به، فكيف لا يكون من البر لولا أن الاعتدال والوسطية في وسط الجنوح والتطرف اعوجاج. ومن عرف ملابسات نزول الآية عرف ذلك بوضوح. إن هذا يكشف لنا كشفاً واضحاً أن صيحات الوسطية لا تجدي مع الرافضة كثيراً. وأن علينا إعادة الحساب من جديد في كل ما قيل وطرح من أفكار أثبت الواقع فشلها.

13. تكوين جماعة تتقدم الصفوف

إن هذه القواعد الذهبية والتقريرات المنهجية التي استخلصناها من رحم المعاناة ،
وعصارة الفكر، وطول النظر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه  وسيرته وسيرة الأنبياء عليهم السلام والمصلحين، ستظل هائمة دون إحداث الأثر المطلوب، ما لم يتم تبنيها من قبل جماعة معينة ذات منهج فكري واضح وبرنامج عملي واقعي. أو تتأسس جماعة بناءاً على ذلك المنهج والبرنامج. لقد علمتنا الخبرة أن قوة الكلمة لا تنبع من ذاتها عند أكثر العالمين، ولا يشذ عن هذا المتدينون أو (الإسلاميون)، إنما تستمد قوتها من وزن قائلها، وكم وراءه من رجال وأتباع. إن صعلوكاً أحمق كمقتدى لا يزن في ميزان الله جل وعلا جناح بعوضة يذهب إليه علماء ودعاة (كبار) من أهل السنة يمتدحونه ويتزلفون إليه! ويكذبون في ذلك وهم يعلمون أنهم يكذبون! ويسمون ذلك سياسة!! هل يقترفون أمثال هذه السوءات لو كان مقتدى فرداً عادياً يقول كلمته ويمضي؟ علينا أن نفهم السنن، ونعمل ما استطعنا على الاستفادة منها. كما علينا أن نعلم أن المهزوم نفسياً لا يحترم أمثاله، ولا أتباعه، ولا يسمع لنصح ناصح إلا إذا شعر بنِدِّيَّته وعدم تبعيته له. على أن يكون التزام هذه الجماعة بأخلاقيات العمل قوياً، فلا تتعرض للعاملين الصادقين بالتشهير أو التجريح، ولا تختلق لها أعداءاً ليسوا هم في الحقيقة لها بأعداء. وإنما تسير في طريقها تزجي النصح، وتجهر بالحقيقة، وتصدع بالحق، وتستمر في تنفيذ برنامجها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. مع العمل على إزاحة المتقدمين في مسيرة الهزيمة، وإرجاعهم إلى أماكنهم اللائقة في الصفوف الخلفية. واعلم أن كل جماعة – في العراق والدول الشبيهة – لم تقم على هذه الأسس العامة، والأسس الخاصة التي سيأتي بيانها – هي جماعة وهمية لن تصل بنا إلى المراد من حفظ بيضة أهل السنة، وقمع خطر الشيعة؛ فالبقاء فيها – دون البحث عن البديل المطلوب – مضيعة للجهد والعمر. ومقولة “التغيير من الداخل” في مثل هذه الجماعات أسطورة، لا يرتجى من ورائها نفع. ولربما هي كلمة حق أريد بها غيره. هي ليست أكثر من حقنة مخدر، يعرقل الساعين في التغيير، ويمنعهم من بناء نموذج يعتبره الآخرون منافساً لهم في الميدان. وقد جربنا – وبكل الوسائل والأساليب – فما عدنا بشيء. والله تعالى نسأل أن يوفق الجميع إلى خير ما يعلمه لهم. ولكن الأمر كما قال سبحانه: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) (النساء:123). 14. صنع النموذج القدوة

كل دعوة نجحت تمكنت من صنع نموذج لها في مكان ما. ثم تتابعت بقية المناطق تحذو حذوها، وتستنسخ تجربتها. ولا بد أن يكون هذا المكان بحيث يكون محطاً للأنظار، وتسليط الأضواء، وقريباً من ملتقى الناس، وفي مجمع الطرق. وله قدرة مناسبة على التعشق ببقية المناطق. ويمتلك جاذبية خاصة في حياتها: اقتصادية أو دينية أو سياسية أو غير ذلك؛ حتى تتهيأ للناس فرصة التأثر المستمر بما يحصل فيه من تغير جديد. لهذا ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف – واختارها من بين القرى أو المدن المجاورة في المنطقة – في محاولة منه لأن يجعل منها مركز انطلاق لدعوته الناشئة يضاهي به مكة، وينافسها على مركز القيادة. فهي القرية التي تأتي في المرتبة الثانية في سلم الأهمية في تأثيرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري، وحتى الديني بعد مكة. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم مقترناً بمكة، إشارةً إلى مدى اهتمام الناس بها، ورفعة منزلتها لديهم في قوله تعالى: (وَقَالُواُ لَوْلا نُزِِّلَ هذَاْ الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31). ولبسط هذا المعنى موضع آخر. وللسبب نفسه اختار يثرب مكاناً بديلاً عوضاً عن بقية المناطق والأمكنة. بل لو تأملت الاختيار الإلهي لجزيرة العرب منطلقاً للرسالة الخاتمة، وقد أرادها أن تكون رسالة عالمية تصل للعالم أجمع، لتبين لك المقصود الإلهي في هذا الاختيار، بما يسلط الضوء على كلامنا في شروط وصفات التجربة النموذج، واختيار الموقع المناسب لها. والناظر في أسباب نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، يجد ما ذكرناه أحد هذه الأسباب. فلم يكتف الشيخ – كغيره من العلماء – بأن يلقي ما عنده من علم على طلبة العلوم الشرعية، ويمضي. بل كان اهتمامه منصباً على أن يكسب إلى صفه أميراً من الأُمراء في مدينة مهمة، تصلح أن تكون نموذجاً ومنطلقاً لدعوته. وهكذا اتجه إلى أمير (العيينة). ولما تنصل عنه هذا بعد مدة، اتجه إلى أمير آخر، في مدينة أخرى مهمة، فكانت (الدرعية) هي المنطلق، وهي النموذج. ولك أن تلاحظ أن دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لم يكتب لها هذا الانتشار والذيوع في العالم كله إلا بعد قيام هذا النموذج الماثل للعيان لها في جزيرة العرب. وإذا كان الحديث من وحي التجربة الشخصية مفيداً أقول: إن لنا في ناحية (جبلة) تجربة دعوية ناجحة بكل المقاييس، إلا مقياس النموذج. فإن موقعها البعيد عن مراكز التأثير حال دون أن تكون نموذجاً مناسباً لانطلاق دعوة تريد أن تكون رائدة في العراق، أو المنطقة كلها. ولذلك اتجهت بنظري إلى قضاء المحمودية؛ واجهة بغداد ومدخلها الجنوبي، وتمثل ملتقى الطرق المؤدية شمالاً إلى بغداد، وجنوباً إلى عامة المنطقة الجنوبية للعراق. فهي أمام أنظار الجميع. وهناك أسباب أخرى مساعدة لا مجال لذكرها. إذن المحمودية تمتلك مواصفات المكان، وتصلح أن تكون منطلقاً للتجربة النموذج. في خطوة مهيئة للخطوة التالية، وهي العاصمة بغداد نفسها. التي كانت أنظارنا تتطلع إليها، وقد وضعناها في حساب الأيام القادمة. وقد صدقت الأيام ظننا، فقد تحققت – رغم قصر مدة العمل – أشياء كثيرة كان يمكن لها أن تؤدي إلى الهدف المطلوب. ولكن لم تأخذ التجربة مستحقها من الوقت. فقد بدأنا فيها أواخر عام 1997 وخرجنا منها أواخر عام 2002. وكانت سنوات خمساً مليئة بالمؤامرات وعوامل الإجهاض من الجميع، حتى وقعت كارثة الاحتلال. ولنا أمل في جولة أخرى في قابل الأيام. فإن لم يسعف العمر، نستودع الأمانة جيلنا القادم بإذن الله.

وقفة مع غوستاف لوبون مؤسس علم نفس الجماهير

يمكن تلخيص أهم الأفكار التي لفتت نظري في كتاب (سيكولوجية الجماهير) لغوستاف لوبون بما يلي كما جاء في المقدمة التي كتبها مترجم الكتاب هاشم صالح: • الميزة الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية، وتخفض من مستوى الملكات العقلية. وهو يشبه ذلك بالمركب الكيمياوي الناتج من صهر عدة عناصر مختلفة. فهي تذوب وتفقد عناصرها الأولى نتيجة التفاعل ومن أجل تركيب المركب الجديد. إن المتغيرات التي تطرأ على الفرد المنخرط في الجمهور مشابهة تماماً لتلك التي يتعرض لها الإنسان أثناء التنويم المغناطيسي. • الفرد يتحرك بشكل واعٍ ومقصود، أما الجمهور فيتحرك بشكل لا واع؛ ذلك أن الوعي فردي تحديداً، أما اللاوعي فهو جماعي. • إن الجماهير أياً تكن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها بحاجة لأن تخضع إلى قيادة محرك. وهو لا يقنعها بالمحاجات العقلانية والمنطقية، وإنما يفرض نفسه عليها بواسطة القوة. كما أنه يجذبها ويسحرها بواسطة هيبته الشخصية تماماً كما يفعل الطبيب الذي ينوم المريض مغناطيسياً. • إن الإشاعة أقوى من الحقيقة. وإن الدعاية ذات أساس لا عقلاني. يتمثل بالعقائد الإيمانية الجماعية. ولها أداة للعمل تتمثل بالتحريض من قريب أو بعيد. أما التفكير النقدي وانعدام المشاعر اللاهبة فيشكلان عقبتين في وجه الانخراط والممارسة. ويمكن تجاوزها عن طريق التحريض والدعاية. ولهذا السبب ينبغي أن تستخدم الدعاية لغة الصور الموحية والمجازية، أو لغة الشعارات البسيطة والقاطعة التي تفرض نفسها فرضاً دون مناقشة. • إن هناك نمطين من الفكر: الأول يستخدم الفكرة المفهومية، فيعتمد على قوانين العقل والبرهان والمحاجة المنطقية. أما الثاني فيستخدم الفكرة المجازية أو الصورية، ويعتمد على قوانين الذاكرة والخيال والتحريض. وأكبر خطأ يرتكبه السياسي هو أن يحاول إقناع الجماهير بالوسائل العقلانية الموجهة إلى أذهان الأفراد المعزولين. فالجماهير لا تقتنع إلا بالصور الإيحائية، والشعارات الحماسية والأوامر المفروضة من فوق. وإذا تجاوزنا المقدمة إلى الكتاب نفسه فإن مؤسس علم نفس الجماهير يقول:

• الروح الجماعية للجمهور إن ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد يشكل الخصيصة الأولى للجمهور … والظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أياً تكن نوعية الأفراد الذي يشكلونه، وأياً يكن نمط حياتهم متشابهاً أو مختلفاً، وكذلك اهتمامهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية. وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولاً… إنهم يشبهون بالضبط خلايا الجسد الحي التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائناً جديداً يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جداً عن الخصائص التي تمتلكها كل خلية. وعلى عكس الرأي الشائع الذي يدهشنا أن يتبناه فيلسوف في حجم وألمعية هيربيرت سبنسر فإنه لا يوجد في التجمع الذي يشكله جمهور ما حاصل ومتوسط العناصر، وإنما يوجد فقط تركيب وخلق للخاصيات. وهذا يشبه ما يحصل في مجال الكيمياء. فبعض العناصر المستخدمة في التركيب كالقواعد والحوامض مثلاً تتداخل في بعضها البعض وتتركب من أجل تشكيل مادة جديدة مزودة بخصائص مختلفة عن تلك الخصائص التي كانت تتحلى بها العناصر المفردة قبل تركيبها. هكذا نلاحظ بسهولة إلى أي مدى يكون الفرد المنخرط في الجمهور مختلفاً عن الفرد المعزول .

• الحياة اللاواعية للروح الجماعية للجمهور إن الظواهر اللاواعية تلعب دوراً حاسماً ليس فقط في الحياة العضوية أو الفزيولوجية، وإنما أيضاً في طريقة اشتغال الذهن أو آلية العقل. والحياة الواعية للروح البشرية لا تشكل إلا جزأً ضعيفاً جداً بالقياس إلى حياتها اللاواعية… فأفعالنا الواعية متفرعة عن جوهر لا واعٍ مشكَّل من التأثيرات الوراثية بشكل خاص. وهذا الجوهر ينطوي على البقايا اللانهائية الموروثة عن الأسلاف، وهي التي تشكل روح عرق بشري ما. ذلك أنه وراء الأسباب الظاهرية لأعمالنا تربض أسباب سرية مجهولة من قبلنا. ومعظم أعمالنا اليومية ناتجة عن دوافع مخبوءة تتجاوزنا. إن أفراد عرق ما يتشابهون خصوصاً بواسطة العناصر اللاواعية التي تشكل روح هذا العرق. وهم يختلفون عن بعضهم البعض بواسطة العناصر الواعية الناتجة عن التربية، ثم بشكل أخص عن الوراثة الاستثنائية. والبشر الأكثر اختلافاً وتمايزاً من حيث الذكاء لهم غرائز وانفعالات وعواطف متماثلة أحياناً. والرجال الأكثر عظمة وتفوقاً لا يتجاوزون إلا نادراً مستوى الناس العاديين في كل ما يخص مسائل العاطفة: من دين وسياسة وأخلاق وتعاطف وتباغض، إلخ… فمثلاً يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذيته على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالباً، أو قل: إنه ضعيف جداً. وهذه الصفات العامة للطبع التي يتحكم بها اللاوعي والتي يمتلكها معظم الأفراد الطبيعيين لعرق ما بنفس الدرجة تقريباً هي بالضبط تلك التي نجدها مستنفرة لدى الجماهير. فالكفاءات العقلية للبشر وبالتالي فرادتهم الذاتية تمَّحي وتذوب في الروح الجماعية. وهكذا يذوب المختلف في المؤتلف وتسيطر الصفات اللاواعية .

• ضعف جدوى المحاججات العقلانية مع الجمهور إن الجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل، وغير مؤهلة للمحاكمـة العقلية. ولكنها مؤهلة جداً للانخراط في الممارسة والعمل. والتنظيـم يجعل قوتها ضخمة جدا . إن الجمهور هو دائماً أدنى مرتبة من الإنسان المفرد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية . إنه بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة. فهو عندما يكون فرداً معزولاً ربما يكون إنساناً مثقفاً متعقلاً ، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقوداً بغريزتـه وبالتالي همجياً . لا ينبغي علينا أن نعتقد أن مجرد البرهنة على صحة فكرة ما يعني أنها سوف تفعل مفعولها حتى لدى الناس المثقفين فعلاً. ويمكننا أن نتحقق من ذلك عندما نرى أن البرهنة الأكثر وضوحاً ليس لها تأثير على معظم البشر. صحيح أنه يمكن للحقيقة الساطعة أن تلقى أذناً صاغية لدى السامع المثقف، ولكنه سيعيدها فوراً بواسطة لا وعيه إلى تصوراته البدائية. حاولوا أن تروه بعد بضعة أيام فسوف ترونه يستخدم من جديد محاجاته القديمة وبنفس الألفاظ تماماً. وذلك لسبب بسيط هو أنه واقع تحت تأثير الأفكار السابقة التي تحولت إلى عواطف وترسخت. وهذه الأفكار هي وحدها التي تؤثر علينا وتحرك بواعثنا القديمة التي تربض خلف أعمالنا وكلامنا . لا يمكننا القول بشكل مطلق أنه لا يمكن التأثير على الجماهير بواسطة المحاجات العقلية. ولكن الحجج التي تستخدمها وتلك التي تؤثر عليها تبدو من وجهة النظر المنطقية جداً متدنية إلى حد أنه لا يمكننا وصفها بالعقلانية إلا عن طريق القياس والتشبيه… وأما سلسلة المحاجات العقلانية الصارمة فلا يمكن أن تفهم إطلاقاً من قبل الجماهير. ولهذا السبب يمكن القول بأنها لا تفكر أو تفكر بشكل خاطئ، ولا يمكن التأثير عليها عن طريق التفكير العقلاني . لنذكّر هنا فقط بمدى عناد واستمرارية الخرافات الدينية طيلة قرون وقرون على الرغم من تناقضها مع أبسط حدود المنطق. فخلال ألفي سنة تقريباً اضطرت أعظم العبقريات للانحناء أما قوانينها .

• ضرورة تكرار الفكرة وتأكيدها عندما نريد أن ندخل الأفكار والعقائد ببطء إلى روح الجماهير فإننا نجد أن أساليب القادة تختلف. فهم يلجأون بشكل أساسي إلى الأساليب الثلاثة: أسلوب التأكيد، وأسلوب التكرار، وأسلوب العدوى. لا ريب في أن تأثيرها بطيء، ولكنه دائم. إن التأكيد المجرد والعاري من كل محاجة عقلانية أو برهانية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير. وكلما كان التأكيد قاطعاً وخالياً من كل برهان فرض نفسه بهيبة أكبر… ولكن الإعلان لا يكتسب تأثيراً فعلياً إلا بشرط تكراره باستمرار، وبنفس الكلمات والصياغات ما أمكن ذلك. كان نابليون يقول بأنه لا يوجد إلا شكل واحد جاد من أشكال البلاغة هو: التكرار. فالشيء المؤكد يتوصل عن طريق التكرار إلى الرسوخ في النفوس إلى درجة أنه يقبل كحقيقة برهانية… فعندما نكرر الشيء مراراً وتكراراً ينتهي به الأمر إلى الانغراس في تلك الزوايا العميقة للاوعي حيث تصنع دوافعنا كل أعمالنا. فبعد أن تمر فترة من الزمن ننسى من هو مؤلف القول المكرر وينتهي بنا الأمر إلى حد الإيمان به. وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نفهم القوة الهائلة للإعلان… وعندما يتاح لتوكيد ما أن يكرر بما فيه الكفاية، وأن يكرر بالإجماع… فإنه يتشكل عندئذ ما ندعوه بتيار الرأي العام. وعندئذ تتدخل الآلية الجبارة للعدوى وتفعل فعلها. وفي الجماهير نجد أن الأفكار والعواطف والانفعالات والعقائد الإيمانية تمتلك سلطة عدوى بنفس قوة وكثافة سلطة الجراثيم. ويمكننا أن نلاحظ هذه الظاهرة لدى الحيوانات نفسها، وذلك عندما تتجمع على هيئة جمهور. فصهال حصان في إسطبل ما سرعان ما يعقبه صهال الأحصنة الأخرى في نفس الإصطبل. وأي خوف أو حركة مضطربة ما تصيب بعض الخراف سرعان ما تنتقل إلى بقية القطيع… والتقليد الذي تعزى إليه تأثيرات كثيرة في الظواهر الاجتماعية ليس في الواقع إلا مجرد أثر من آثار العدوى… إن الإنسان يشبه الحيوان فيما يخص ظاهرة التقليد. فالتقليد يشكل حاجة بالنسبة له بشرط أن يكون هذا التقليد سهلاً بالطبع.. ومن هذه الحاجة بالذات يتولد تأثير الموضة (أو الأزياء الدارجة). وسواء أكان الأمر يتعلق بالآراء أم بالأفكار أم بالتظاهرات الأدبية أم بالأزياء بكل بساطة فكم هو عدد الذين يستطيعون التخلص من تأثيره؟ فنحن نستطيع قيادة الجماهير بواسطة النماذج والموديلات وليس بواسطة المحاجات العقلانية .

• الزمن إن الزمن بالنسبة للمشاكل الاجتماعية كما بالنسبة للمشاكل البيولوجية أحد العوامل الأكثر تأثيراً ونشاطاً. فهو يمثل المولد الحقيقي والمدمر الكبير… وهو الذي يجعل كل العقائد تتطور وتموت فبه تمتلك قوتها وجبروتها، وبه تفقدها… إن الزمن هو الذي يطبخ آراء وعقائد الجماهير على ناره البطيئة، بمعنى أنه يهيء الأرضية التي ستنشأ عليها وتتبرعم. نستنتج من ذلك أن بعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فترة أخرى. فالزمن يراكم البقايا العديدة جداً للعقائد والأفكار، وعلى أساسها تولد أفكار عصر ما. فهذه الأفكار لا تنبت بالصدفة أو عن طريق المغامرة. وإنما نجد جذورها تضرب عميقاً في ماض طويل . هذه بعض أهم الأفكار التي قررها لوبون في كتابه (سيكولوجية الجماهير)، وهي في عمومها توافق وتعمق ما قررناه سابقاً من قواعد في أصول وعوامل تغيير المجموع التي تختلف عنه فيما يخص الفرد. والآن ننتقل للحديث عن الأساليب الجماعية الخاصة بتغيير الشيعة.

القسم الثاني

الأساليب والمبادئ الخاصة

بناءً على التركيبة النفسية التي يختلف بها الشيعة عن غيرهم، مع الأخذ بنظر الاعتبار تلك العقد النفسية التي أثبتناها سابقاً نقول: لا بد أن هذا الاختلاف وتلك العقد لها آثارها على الأساليب التي يراد لها أن تؤثر في جمهور الشيعة فتنقلهم خطوة أو خطوات إلى الأمام. وأنا في هذا القسم من الفصل أحاول الكشف عن هذه الأساليب الخاصة دون أن أدّعي أنني بلغت القول الفصل في كل ما أقرره من ذلك. لكنني قبل ذلك أتقدم بتمهيد مهم جداً بين يدي الموضوع. فأقول ومن الله العون والتسديد:

أ. تمهيد الشيعة أكثر إدراكاً واستخداماً للأساليب الجماعية من أهل السنة إن سر النجاح المطرد للشيعة على حساب تقهقر أهل السنة هو اعتماد الشيعة في نشر مذهبهم على الأساليب الجماعية في التغيير، دون أن يهملوا التعامل مع الأفراد. من هذه الأساليب المعتمدة: • أسلوب الدعاية والإشاعة، وعلى طريقة غوبلز مدير دعاية هتلر: (اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس) الذي لا يعدو أن يكون قزماً قميئاً أمام عمالقة الكذب والدعاية الفارسية. • أسلوب الإيحاء باستعمال مثيرات العاطفة والخيال كالصور والتمثيل وما يسمى بـ(الشعائر الحسينية) من النواح واللطم الجماعي وما يسمى بـ(التشابيه) وهي قصص المآسي الممثلة. واستعمال (الملايات) اللواتي يدرن على البيوت حيث تجتمع النساء فتقوم (الملاية) بقراءة أسطورة المقتل على مسامعهن بصوت حزين مع الدق على الصدور الذي يتطور إلى نواح ولطم وعويل. • الاستعراض عن طريق تظاهرات المشي على الأقدام إلى المراقد في مناسبات خاصة تتكرر على مدار الأشهر خصوصاً في موسم محرم وصفر. • قبب المراقد المبهرجة المذهبة، وما لها من تأثير نفسي كبير على عقول العامة. • أسلوب الإعلان بدعوتهم بما فيها من أفكار شاذة وتهجم على الآخرين وتكفيرهم، مع أن أصل دعوتهم باطنية تعتمد على مبدأ (التقية)! • أسلوب الهجوم المكشوف (ومنه السب والتشهير) أكثر من الدفاع. • أسلوب التهجير والتطهير العرقي ومضايقة المخالفين من أهل السنة. وهذا قد حصل في إيران ولبنان والعراق وغيرها. • أسلوب التخويف وإرهاب المخالف وتشكيل عصابات القتل والغدر والاغتيال على مر التاريخ. وبهذا أسكتوا الخصوم، وتسببوا في إصابتهم بعقدة (الرُّهاب Phobia) التي لم يسلم منها أشجع الرجال. وهي السبب في المجاملات والمداهنات السنية للشيعة. وهذا هو الذي أضاع الحق على عامة الناس، الذين لم يعودوا يدركون حقيقة الخطر ما داموا يسمعون من علمائهم عبارات التقريب الرنانة التي من أشهرها: (لا فرق بين شيعي وسني) وهي عبارة مجملة موهمة قد تسوغ في المزايدات السياسية، وليس في دائرة الدين القائمة على الوضوح والحق المبين. فسكت من سكت، وهاجر من هاجر ومن بقي ذاب إلا من رحم، خصوصاً مع التضييق عليهم في أرزاقهم وأشغالهم. ومن أبرز الأمثلة الناجحة على هذا الأسلوب في تاريخ الشيعة ما فعله الصفويون في إيران، وقتلهم الذريع لأهل السنة وإرعابهم وتشريدهم حتى تحولت إيران بفعل هذا الأسلوب من دولة سنية إلى أخرى شيعية. ولم يشغلوا أنفسهم بأي نقاش علمي، أو مناظرة كلامية أو غيرها من الأساليب العقلانية التي لا نحسن غيرها، هذا والماء – كما يقال – يجري من تحتنا. أود التنبيه هنا على أن علماء الشيعة حين يقول أحدهم: (لا فرق بين شيعي وسني) وأمثالها من العبارات، فإن هذا ليس له تأثير في الوسط الشيعي لسببين: 1.  الأول هو مبدأ (التقية) الذي به يعرف الشيعي أن مرجعه لا يعني ما يقول، وأن هذا الكلام التقريبي خرج مخرج (التقية) لا أكثر. 2.  والثاني هو التعبئة النفسية لدى الشيعي، التي تقف حاجزاً بين هذه العبارات وبين حصول أثرها في نفسه. وعلى هذا الأساس فإن النتيجة الوحيدة الحاصلة هي انخداع السني بكلام علماء الشيعة حين يسمعهم يطلقون هذه الكلمات، إضافة إلى صدورها في الوقت نفسه عن علماء السنة؛ فيثبت لديه الأمر على أنه حقيقة؛ فيزيده ذلك وهناً على وهن. • أسلوب الهجرة والغزو السكاني الجماعي للمناطق السنية. فقضاء الزبير في البصرة لم تتغير صبغته السنية الصافية بسبب تحول أهله إلى شيعة، وإنما صار أهل الناصرية والعمارة وغيرهم يتحولون فيسكنون فيه بالجملة. وهكذا فبعد أن كان قضاء الزبير قبل أربعين سنة منطقة سنية مغلقة صار اليوم ما يقارب الأربعين بالمائة (40٪) من أهله شيعة. فهذا أسلوب تغييري جماعي ناجح غفلنا عنه وانشغلنا متفاخرين – بسذاجة نحسد عليها – بنتائج التغيير الفردي! ونجح الشيعة في أسلوبهم هذا أيما نجاح خصوصاً في العاصمة بغداد قلب العراق وشريان العروبة النابض. فقبل خمسين عاماً لم تكن نسبة الشيعة في بغداد تتجاوز السدس (1/6) ارتفعت النسبة اليوم إلى ما يقارب الأربعين بالمائة (40٪) أو أكثر ، وذلك بعد أن قام الرئيس عبد الكريم قاسم بنقل مئات الآلاف من الشيعة من جنوب العراق وإسكانهم في بغداد في مدينة الثورة والشعلة وغيرهما. ويقال: إن لقاسم ميولاً شيعية بسبب والدته الشيعية. وأنا أرجح أحد أمرين فيما فعل: إما أنه استدرج من قبل الشيعة عن طريق أخواله. وإما أنه فعل ذلك لأسباب سياسية غير محسوبة. وأيّاً كانت الدوافع فإن هذا هو الذي حصل. كذلك فعل الشيعي صالح جبر حين تولى رئاسة الوزراء في العهد الملكي من قبل. وهكذا تغيرت بغداد لا بالدعوة وتشييع أهل السنة، وإنما بهذا الأسلوب الواقعي الذكي! وبالأسلوب النفساني لا العقلاني تغير قضاء تلعفر في الموصل من أغلبية سنية كاسحة (أكثر من95٪ ) في منتصف القرن الماضي إلى أغلبية ضعيفة اليوم (60٪ ) وقد بدأ تشييعها في عام 1947م عندما استلم رئاسة الوزارة في العراق (رجل الدين) الشيعي (محمد الصدر) والذي تسلم من بعد (عام 1949) رئاسة مجلس الأعيان . ذهب وفد من ( تلعفر) حينها لتهنئته بمناسبة تسلمه منصب رئاسة الوزراء، وكان الوفد برئاسة شيخ عشيرة (السادة الموسوية) محمد يونس عبد الله وهب آغا. وهي عشيرة سنية. أظهر (محمد الصدر) استغرابه من كون (السادة الموسوية) من أهل السنة. ولما رجع الوفد تأخر عنه رئيسه محمد يونس آغا لعدة أيام استطاع (محمد الصدر) فيها أن يقنعه بالعدول عن مذهب أهل السنة، والتحول إلى طائفة الإمامية الاثنى عشرية. واستعمل لذلك مؤثرات نفسية، منها وجود نزاع بين عشيرة محمد يونس وعشيرة أخرى، كان يدور حول اراض زراعية فساومه (محمد الصدر) على حسم قضية الأراضي لصالحه مع عشرة آلاف (000 10) دينار، كانت في ذلك الزمان تمثل ثروة كبيرة جداً. ليرجع بعدها إلى (تلعفر) شيعياً يمارس دور نشر التشيع في تلك المدينة. ومن يومها بدأ العد التصاعدي للشيعة فيها. انظر إلى هذه الأساليب تجدها جميعاً ليست فكرية عقلانية، وإنما نفسانية واقعية.

نفسية معقدة وقيادة مقنَّعة فهل من سبيل؟ كلما نظرت إلى جموع المتظاهرين وهي تحمل الرايات الخضر وترفع صور المراجع الفارسية والعمائم الشعوبية التي تقطر حقداً على العرب والبلد وأهله، وتهتف لها بالعظمة والعزة والبقاء، وجلت ببصري في تلك الجموع المسكينة فرأيت اللباس العربي: العقال واليشماغ والعباءة، واستحضرت تلك التركيبة المتشابكة من العقد التي غزت نفوسها قلت في نفسي: متى يعرف هؤلاء الحقيقة؟ ويدركون أنهم مخدوعون مغرر بهم؟ وأنّى لهم ذلك وهم يسيرون معصوبي الأعين وراء من لا يريد لهم خيراً، ولا يرقب فيهم إلاً، وإنما ينفذ بهم مخططاً فارسياً لا يعلم غوره إلا الله والراسخون في العلم؟! كيف نتعامل مع هذه النفسية المعقدة؟ وكيف نفصل هذه الجموع عن هذه القيادة المخادعة المقنعة؟ هذه هي مهمتنا إذا كنا جادين في مواجهة التشيع، وهذا هو السبيل الصحيح بمعالمه الكبرى.

هل من أمل بالشفاء ؟ في تاريخ الإسلام تجارب ناجحة، وأخرى لم تبلغ الغاية المرجوة من التغيير. لقد نجح الرسول  مع العرب فتغيروا بكاملهم من الكفر والشرك إلى الإيمان ودين الإسلام. لكن اليهود لم يتغيروا رغم كل المحاولات التي بذلت من قِبَله  ! وحين تدرس الأسباب المانعة تجدها كامنة في النفسية المعقدة التي يعاني منها اليهود. والتي لخصها القرآن الكريم بكلمة واحدة هي (الأهواء) فقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120) وقال: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:145). وهي السبب في الصرف الرباني لهم عن الحق والطبع على قلوبهم فلا يهتدون كما قال سبحانه: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (الروم:29)، وقال: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:146). فالهداية هدية الرب من السماء لا يمنحها إلا لمن يستحقها، وليست هي سِقْطاً ملقى على قارعة الطريق يمر به العابرون فيتكرم عليه بالأخذ بعض ويعافه الآخرون! وقد لفت نظري آيات من القرآن في سورة (البقرة)، وقفت عندها كثيراً متفكراً متحيراً ! وهي ما جاء من قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ*أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ*وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ*فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ*وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:75-80). إن هذه الآيات تقرر أنه لا أمل بإيمان قوم ارتكبوا المخالفات الخمس الآتية: 1. تحريف كلام الله 2. التقية في إظهار الموافقة وإبطان المخالفة 3. عدم تدبر كتاب الله 4. اتخاذ الدين حرفة والتكسب بكتاب الله بالباطل 5. ادعاء الضمان بعدم دخول النار إلا أياماً معدودة وهذه المخالفات الخمس بنصها موجودة عند الشيعة، سوى أنهم زادوا فادعوا الضمان بعدم دخول النار مطلقاً. وزادوا الطعن في أصحاب نبيهم وأزواجه، وزادوا تمزيق الكتاب وحرقه، وزادوا… وزادوا! ثم إن بين النفسية الفارسية واليهودية – كما بينا سابقاً – تشابهاً كبيراً، سواء من حيث اشتراكهم في (عقدة النقص) التي هي أصل العقد النفسية عندهم، أو ما تفرع عنها من عقد أخرى. ولعل هذا الشعور المشترك هو الباعث على التناغم والميل النفسي لبعضهما البعض، والتعاون اليهودي الفارسي في الكيد لدولة العراق وإسقاطها، والذي تكرر في التأريخ أكثر من مرة منذ أن أسقط كورش الفارسي ابن اليهودية دولة بابل سنة 559 ق.م وإلى إسقاطها أخيراً يوم الأربعاء الأسود 9/4/2003 ، واتخاذ ذلك عيداً من قبل اللوبي الفارسي في مجلس الحكم العراقي الذي عينه بريمر. مروراً بسقوط بغداد سنة 1258م على أيدي التتر والمحاولة الفاشلة سنة 1991م بحركتها الغوغائية الإيرانية الشعوبية الخائبة. فإذا كان ما فهمته من الآيات السابقة – مع هذه الإطلالة النفسية التاريخية السريعة – على وجهه فإن هذا يدعونا إلى تساؤل كبير علينا أن نجيب عليه: هل من أمل أو مطمع في إيمان الشيعة ورجوعهم إلى دين الحق وشرعة الإسلام الصحيح؟ أم إن الحال معهم كحال الذين قال الله فيهم آنفاً: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ…)؟ فإذا كان الاختيار واقعاً على الجواب الثاني فعلينا أن نعيد الحساب من جديد ونقلع عن كل الأساليب الانبطاحية الفاشلة، والمجاملات الزائدة، والمداهنات والتنازلات التي بذلناها، وماء الوجه الذي سكبناه على عتبة (التقريب) الزائفة؛ فإننا لن نجني – ولم نجن – من ورائها شيئاً؛ فلا داعي لمزيد من الخسارة في صفقة محكوم عليها بالخسارة سلفاً. وعلينا أن نتوجه إلى صفنا السني الداخلي فنهتم بتقويته واستعادة مناعته وعافيته قبل فوات الأوان. وهنا أنبه على أن المقصود بالإيمان والتغيير هو المجموع وليس الفرد؛ فلا يعترضن أحد فيقول: كيف هذا ونحن نجد كثيراً من الشيعة في السنين الأخيرة قد تحولوا عن دينهم وصاروا من أهل السنة؟ نعم هذا حاصل ولسنا غافلين عنه. لكن وجهة البحث – كما قلت – إلى المجموع، وليست إلى الأفراد. ولقد أسلم أفراد من اليهود لكن هذا لم يغير من حال مجموعهم شيئاً، وفي مثله قال القائل:

ما زادَ حنونُ في الإسلامِ خردلةً ولا النصارى لهم شغلٌ بحنونِ

ولم يستعمل الرسول المداراة مع اليهود مجاملة لأولئك الأفراد، أو خشية من نفورهم وارتدادهم. على أن هذا كله على افتراض اليأس من هداية الشيعة وتغيرهم. وهو اختيار لا أجزم به، إنما هو فكرة برزت لي من خلال الآيات التي أوردتها آنفاً، تدعمها وجود تلك المنظومة المتشابكة من العقد النفسية. كما أن هناك اختياراً آخر قائماً على الأمل والطمع بهدايتهم وتغيرهم من حالهم التي هم عليها اليوم من الانحراف عن الدين الحق والحقد والتكفير والتعصب الطائفي إلى ما هو أفضل، بصرف النظر عن درجة التغير: جزئية كانت أم كلية. وفي هذه الحال نطرح التساؤل التالي: كيف السبيل إلى ذلك؟ وقد فشلت جميع المحاولات السابقة، ما عدا تجربة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله . لكن هذه التجربة حصلت من موقع القوة والتمكين، ونحن اليوم لا نمتلك هذا الموقع؛ فالقياس عليها لا يصح إلا إذا كنا ننطلق من الموقع نفسه؛ فنترك مناقشة التجربة إلى حين ذاك، وما هو على الله ببعيد، واضعين في الحسبان جميع العوامل الداخلة في معادلة التغيير، ومنها اختلاف طبائع الشعوب التي تجري عليها التجربة. لكن قد يقول قائل: إن هذه التجربة تشير إلى أن التغيير لا يتم إلا من خلال سلطة قوية راشدة ؛ فلا أمل بالتغيير ونحن على غير هذه الحال. فأقول: قد عدنا إلى ما قررناه قبل قليل من وجوب إعادة الحساب إذا كان الرأي قد استقر على خيار اليأس من بلوغ الهدف. لكنني الآن بصدد الكلام عن الخيار أو الاحتمال الآخر، وهو الأمل أو الطمع بهدايتهم، تدعمه تجربة دعوية أفلحت في إحداث تغيير ملحوظ إلى درجة يمكن أن نمنحه بها النجاح. تلك التجربة التي حصلت في ناحية (جْبلة) أو مشروع المسيب الكبير التابعة لقضاء المحاويل في محافظة بابل. وهي تجربة تحتاج إلى دراسة خاصة نتعرف بها على الآلية التي تم بها التغيير، والظروف والعوامل الخاصة والعامة التي خدمت أو أعاقت ذلك التغيير، حتى نخرج بنتيجة تخدمنا في تقرير كونها إما حالة خاصة لا نستطيع تعميمها، أو أنها حالة قابلة للتعميم والتكرار في مكان آخر. وليس هذا الكتاب محلاً لهذه الدراسة، ولا أحتاجها هنا ضرورة ؛ لأني أناقش الموضوع بناءً على الاحتمالين. فأقول:

آثار العقد الفارسية على الأساليب الدعوية إذا رجعنا إلى أول الكتاب واستحضرنا العقد النفسية التي تعاني منها مجتمعات التشيع الفارسي فإن هذا يضع أصابعنا على جملة من المؤشرات أهمها: إن عقدة النقص من خلال عقدة السيد أو الاستعلاء الناتجة عنها تجعل أي محاولة للتقرب يبذلها الآخر ينظر إليها الشيعي على أنها تعبير عن الضعف؛ فلا المجاملات ولا المداهنات تنفع معهم، بل إنها لا تزيدهم إلا اقتناعاً بما هم عليه من باطل، وبعداً عما ندعوهم إليه من التقارب والتصالح والتفاهم. إنهم لا يلجأون إلى هذه الأساليب إلا في حالة الضعف، وهذا يجعلهم لا يفهمون صدور مثلها عن الآخر إلا إذا كان فعله نابعاً عن هذا الهاجس. أما عقدة الشك والتوجس فتمنع إضفاء أية مصداقية على ما يصدر من فعل إيجابي في حقه. وبـ(إسقاط) صفة الخداع مع الكذب لا يرى أي تصرف حسن إلا على أنه مكر ومخادعة. كما أنه يقوم بـ(إسقاط) صفاته على الآخر فينتج لديه – عن طريق التماهي الإسقاطي – ازدراء واحتقار ونفور ضد كل من يقوم بمراسيم التقريب تجاهه. وتكمل المنظومة بدخول عقدة اللؤم وإنكار الجميل في المعادلة ليتبخر أثر الإحسان مادياً كان أم معنوياً، بل ليتحول إلى سبب من أسباب الكره والنفرة تجاه المحسن. نعم قد ينفع الإحسان المادي مع الأفراد، لكنه على مستوى المجموع لا أثر له. بل إنه يجلب المشاكل لسبب أو آخر، ومن جرب عرف. والتجارب الكثيرة شاهد لا يكذب: لقد ذهبت آلاف رؤوس الأغنام لحوماً للأضاحي، ومئات أطنان الرز والطحين الأبيض والدهون والأطعمة والألبسة هباءاً منثوراً في محافظات الجنوب، لقد كانوا يزدحمون أفواجاً أفواجاً على أبواب المساجد السنية من أجل استلام حصصهم من المساعدات، حتى إذا أخذوها صاروا يتلمظون قائلين: (وهابية، نواصب كفرة، أوقافية، عملاء الدولة…). وبسبب الشعور العميق بالغبن والمظلومية فإنهم لا ينظرون إلى أي إحسان يحصلون عليه إلا على أنه حق من حقوقهم الكثيرة المغتصبة استردوه من غاصبيه؛ فلا فضل لأحد عليهم فيه. لقد اغتصب الشيعة العشرات من مساجد أهل السنة، وحين فاتح وفد هيئة علماء المسلمين بموضوعها أحد الذين تولوا كبر هذه الجريمة، وهو محمد سعيد الحكيم، كان جوابه: كم هو عدد تلك المساجد؟ ثم قال مستهزئاً: فقط ؟! إن حقنا هو أن نناصفكم المساجد التي بنيتموها في العراق جميعا !. وكذلك أجاب الصعلوك مقتدى.

لا فائدة من الأساليب الترضوية وعليه فإن التغني الزائد بموضوع (النسب والمصاهرة) بين الصحابة وأهل البيت، والمديح الزائد لشخوص البيت العلوي، والطعن الساذج في البيت العباسي أو الأموي. وعبارات مثل: الإمام، وكرم الله وجهه، وعليه السلام، والآل أو أهل البيت الأطهار والصحب الأبرار، وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين، وإخواننا الشيعة، وديننا واحد وعقيدتنا واحدة، وإيران الجارة والدولة المسلمة، والترحم على رؤوس الكفر والضلالة من مثل الخميني الدجال إلى آخر الجوقة الكهنوتية التي أقل ما تعتقده وتصرح به تكفير الصحابة وسبهم على رؤوس الملأ. الخ… كل هذا لا فائدة ترتجى من ورائه سوى ما قلته عن آثار المجاملة والإحسان المنعكسة عن النفسية المعقدة لدى الشيعي. مع مزيد من الوهن والانهزام في صفوف أهل السنة . ألا ما أبعدنا عن الحقائق التي أجهد علماء النفس في اكتشافها وتثبيتها! هل تعلم أن سلوك المرء يتوقف دائماً على كيفية إدراكه: صواباً كان أم خطأً ؟ خذ هذه الملاحظة البسيطة: قد يستجيب المرء لابتسامة شخص بالغضب إن ظنها ابتسامة سخرية، بينما قد لا تكون في الواقع كذلك . وقِسّ. ولقد قلنا هذا وأكثر! فماذا كانت النتيجة؟ إدخال المحتل إلى بلادنا، ومعاونته من أجل البقاء في أرضنا، وتقديم كل العون له من قتل ومطاردة أهل السنة والتعذيب الوحشي في السجون، وثقب الرؤوس بـ(الدريل، أو المثقاب الكهربائي) وقلع الأظافر والعيون، والحرق بالنار والتيزاب. ولم يسلم منهم حتى الترضويون المجاملون! بل كانوا أول ضحاياهم! ولو شئت لسميت، ولكن الستر هنا أولى. إن أساليب عباس السيسي رحمه الله، وجميع الأساليب الدعوية المصرية الجميلة – وما تأثر بها فوضع على غرارها من أساليب – فشلت في علاج التشيع عندنا، لا لخلل فيها من حيث الموضوع، ولكن لكونها وضعت أصلاً في أجواء سنية سوية، فهي لا تصلح للتطبيق في سواها من الأجواء ما لم نُجر عليها التحويرات المناسبة لنفسية منحرفة معقدة.

الأسلوب الشمولي في الخطاب القرآني لقد انشغلنا بهذه الأساليب التقليدية المستوردة، وما شابهها من النسخ التقليدية المجردة، الجامدة على لون واحد لا يرى أمامه من آيات الكتاب سوى قوله تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44). انشغلنا بهذا عن الأسلوب القرآني الشمولي والمنوع حسب الجهة المخاطبة، وحسب الحال التي يتم في إطارها الخطاب. انظر إليه كيف يخاطب الحبيب محمداً  فيقول له موجهاً ومصححاً: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43). لكنه يشتد أحياناً فيقول له: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال:68). ويقول: (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاْ) (عبس:8-11). فلم يجمد الخطاب الإلهي معه  على لهجة واحدة، وهو من هو في منزلته وقربه من الله ! وفرّق في أسلوب مخاطبة (الآخر) بين الملتزم بحدود الأدب وبين من ظلم منهم فتجاوز تلك الحدود، فقال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت:46). واشتد في مخاطبة اليهود أكثر من النصارى حتى قال: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة:82). المشكلة أن أهل السنة تمسكوا بأسلوب (أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً) وتركوا أسلوب (أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً). أما المنافقون فقد اشتدت لهجة الخطاب معهم فلم تقِلَّ عنها مع اليهود حتى قال فيهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء:145). تأمل هذا التنوع القرآني الإلهي في أسلوب الخطاب ليونة وشدة، وقارن بينه وبين الأسلوب الانهزامي الترضوي الجامد على نسق واحد هو التلطف والتلين، متستراً على سوأته بإضفاء تسمية شرعية جذابة عليه هي (الحكمة)! ومع من؟ مع الشيعة أشباه المنافقين واليهود! بل الغريب أنه كلما اشتد الشيعة لان السنة، وزادوا من عروض تنازلاتهم!

الهزيمة النفسية لدى أهل السنة تجاه الشيعة أرى أن أهل السنة يعانون من هزيمة نفسية تكتسح جمهورهم أمام الشيعة. تتمثل هذه الهزيمة في مظاهر كثيرة منها: اتخاذ موقف الدفاع وليس الهجوم تجاه المسائل الخلافية. فمثلاً حين يهجم الشيعي متهماً إياهم بكره (أهل البيت) تجدهم يتوقفون عند دفع التهمة مع التظاهر بالحب الطاغي لهم من خلال العبارات الترضوية الزائدة عن الحد في مدحهم والثناء عليهم. ولا يتجاوزون ذلك إلى الهجوم باتهام الشيعة بكره الصحابة وتكفيرهم، بل الإساءة إلى أهل البيت أنفسهم، وجعل هذا هو القضية، وليست كره أهل البيت الذي هو مجرد أسطورة لا أثارة من دليل أو شبهِهِ عليها. لقد نجح الشيعة في اختلاق قضية من العدم، بينما فشلنا في تثبيت قضية تشهد لها كل معطيات الواقع والتاريخ! ومن مظاهر الهزيمة النفسية توقف المنابر – وحتى المؤلفات والنشرات والصحف – الذي يكاد يكون تاماً عن انتقاد عقائد الشيعة، وممارساتهم العملية، وفضحها على رؤوس الملأ، كالإمامة والعصمة والتحريف وتكفير الأمة وسب الصحابة والتقية والمتعة والزيارة الخ… ما جعلهم يتجرأون في طرحها ونشرها، ورسّخها أكثر في أوساطهم، بل صارت تزحف إلى محيط أهل السنة الذين فقد جمهورهم الحساسية تجاهها. ومن مظاهرها بحث الكثير من علماء أهل السنة وكتابهم والناطقين باسمهم عن صلات وعلاقات قربى بين العقائد والشعائر المختلفة عند الفريقين. فبينما تجد نعمة الله الجزائري يقول بكل ثقة وعنجهية ووقاحة فارسية: (إنا لم نجتمع معهم على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك لأنهم يقولون أن ربهم هو الذي كان محمد r نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا)! . ولم يردها أو ينكرها عليه أحد من الشيعة. بل هو موضع تبجيل وتقديس لديهم. وتجد محمد حسين فضل الله الذي يتظاهر بالتسامح والدعوة إلى تقريب المذاهب، لا يجيز التعبد بمذاهب أهل السنة، ويجيب سائلاً يسأل: هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة، وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟ فيقول: لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة) ! تجد الكثير من علمائنا يكيلون العبارات التقريبية جزافاً من مثل: دينا واحد ونبينا واحد وعقيدتنا واحدة، حتى أجازوا التعبد بالفقه الشيعي الذي أسموه جهلاً أو تجاهلاً بالفقه أو المذهب الجعفري! ومنهم من قال: إننا متفقون في أكثر من 95% من المسائل الفقهية والاعتقادية! ومن هذا الصنف شيخ عراقي مشهور سئل في فضائية دبي في برنامج (الكلمة وأخواتها): عن حكم سب الصحابة؟ فأجاب: من سب أهل البيت فهو كافر، ومن سب الصحابة فهو فاسق!! الشيخ هذا نفسه كان يصرخ من فوق منبر جامع أبي حنيفة في أول خطبة جمعة بعد الاحتلال في بغداد، وذلك في 18/4/2003: (بيّض الله وجوه الشيعة) وقد كررها ثلاثاً! ولا أدري علام يبيض الله وجوه الشيعة: أعلى عمالتهم وممالأتهم للغزاة؟ أم على نهب البلد وتخريبه وإحراقه؟ أم على أي شيء ذلك يكون؟! أخبروني مأجورين؛ فأنا لا أدري! سوى أن هذا هو ديدن الترضويين في كل زمان ومكان. وإن أنس لا أنس حين ذهبنا بعدها بأسبوع واحد لا غير، وذلك يوم الجمعة 25/4/2003 إلى اجتماع كبير دعي إليه أئمة مساجد أهل السنة للاجتماع بأحد الوجوه السنية البارزة، ومقدم كبير في الحزب الإسلامي، والاستماع إلى توجيهاته القيمة من أجل رسم الخطوط البارزة للسياسة الحكيمة التي ينبغي أن ينتهجها الشيوخ والدعاة في تلك المرحلة الحرجة التي تجد الحليم فيها حيران لا يدري أين يضع قدمه! وكان مما قاله (علينا بتكوين مرجعية لأهل السنة). هل تستطيع أن تحزر أيها القارئ لماذا؟ (مرجعية مؤهلة لأن تجلس أمام المرجعية الشيعية)!!! ثم أردف وهو يشير إلى القاعة المكتظة بحشود الحاضرين قياماً وقعوداً وقد فاضت بهم فاضطر الكثيرون إلى التجمع خارجها: (من منا مؤهل لأن يجلس أمام المرجعية الشيعية؟ أهؤلاء الشباب؟!)!!! نعم! المهزوم لا يرى في أتباعه إلا صورة نفسه المهزومة المأزومة؛ فهو لا يثق بهم، ولا يحترمهم. جموع حاشدة بالمئات لا يرى فيها أخونا واحداً يصلح للجلوس أمام من؟ مرجعية خائبة، خانعة تافهة، لا تجيد غير التكبر الفارغ على الآخرين لا سيما المهزومين! أي هزيمة تجتاح نفوس (قادتنا)! وهل ينتصر مجموع مهما بلغ من الشجاعة والحكمة إذا كان يقوده أمثال هؤلاء المهزومين المأزومين؟!

لا تناقض بين الشجاعة الفردية والهزيمة النفسية الجمعية رأيت الكثيرين – عندما تتحدث لهم عن هذا الوباء المتفشي في صفوفنا – يحاولون بكل الطرق نفي وجوده كما ينفي المجرم التهمة عن نفسه، لا سيما حين يصل الأمر إلى تسمية بعض الأشخاص المعروفين ووصمهم بالهزيمة النفسية محتجين بشجاعتهم، ومستشهدين بمواقف تثبت هذه الشجاعة. وهذا يعبر عن قلة إحاطة بعلم النفس. لقد مر بنا في موضوع مصطلحات علم النفس أن العقدة (استعداد نفسي لا شعوري مكبوت يقسر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر والشعور والتفكير). والهزيمة النفسية عبارة عن عقدة فهي مترسبة في (اللاوعي أو الخافية) تجعل صاحبها يتصرف بشكل لا شعوري تصرفات لا تتناسب وحجمه أو عمره أو شخصيته، ما لم يمنع من ذلك موانع قاهرة تؤدي به إلى مزيد من الاضطراب. فمثلاً تجد رجلاً يخاف من حشرة معينة أو زاحف من الزواحف كالأفعى أو سام أبرص (أبي بريص) ولا يحتمل التقرب منه، بينما تجده لا يهاب الموت إذا استدعى الموقف. وتجد آخر لا يطيق النوم وحده في بيت خالٍ مظلم، ويخاف أن يخرج يده من تحت الغطاء. وثالثاً يخشى النظر من الأسطح العالية، أو ركوب الطائرة، أو (دولاب الهواء) في حدائق الألعاب. ولا علاقة لكل هذا بالشجاعة من عدمها. لقد ظل عمر بن الخطاب  يخطب في جموع العرب من الصحابة وغيرهم ثلاثة أيام من أجل التطوع لحرب الفرس، فما تقدم منهم أحد! حتى إذا كان اليوم الثالث غضب منهم غضباً شديداً وصار يعنفهم، فكان أولَ من حمي أنفه منهم أبو عبيد الثقفي الذي صاح من وسط الصفوف المحتشدة: (أنا لها أنا لها) فقال له عمر: (لقد وليتك). بينما كان هؤلاء أنفسهم يتدافعون إلى حرب الروم. أوَ يشك أحد في شجاعة أبي عبيد؟ أم في شجاعة أحد من الصحابة وعموم العرب؟ ولكنها العقدة النفسية المتراكمة تجاه الفرس من طول ما عانوا من أذاهم ومكرهم وغدرهم وفتكهم. وقد توارثنا نحن هذه العقدة، التي لم تزدها الأيام إلا رسوخاً. وليكن معلوماً أننا أمام عقدة نفسية جماعية، وليست فردية. فإذا عرفنا أن الفرد عادة ما تذوب صفاته في وسط المجموع أو الجمهور، وتتشكل نفسيته حينما يواجه موقفاً جماعياً تشكلاً جديداً يتقمص أو يتماهى به مع نفسية المجموع، فيمسي تصرفه معبراً عن النفسية الجمعية أكثر مما يعبر عن أصل خصائصه النفسية الذاتية، التي تبرز في المواقف الفردية. أقول: إذا عرفنا هذا عرفنا أن لا تناقض بين شجاعة الفرد وبين كونه يعاني من عقدة خوف أو هزيمة نفسية تجاه أمر ما. فالشجاعة صفة فردية تعبر عن نفسها إما في المواقف الفردية، وإما في المواقف الجماعية تجاه تحدٍ لا يعاني المجموع إزاءه من الهزيمة: كالموقف من الغزو الغربي عموماً والاحتلال الأمريكي لبلادنا خصوصاً. أما التحديات التي يشعر المجموع إزاءها بالهزيمة فعادة ما يتصرف الفرد تجاهها طبقاً للنفسية الجمعية، يدفعه إلى ذلك ترسبات الهزيمة في خافيّته (= لا شعوره) الخاصة به. ولا يجد غضاضة في ذلك ما دام يتصرف ضمن المجموع. إن الجو الجمعي يتلاشى فيه وقع التصرفات المعيبة. فقد ينهزم الفرد مع المنهزمين في ميدان المعركة إذا كان جندياً من الجنود، لكنه ربما لا ينهزم لو كان في موقع القائد. وقد يبكي الشخص مع جموع الباكين، لكنه قد لا يبكي لو كان الموقف يحسب عليه وحده. والعكس صحيح: فإن الجبان في وسط الجمهور الزاحف يبدو وكأن صفته قد اختفت فصار يتصرف كما يتصرف الشجاع؛ لأنه يتصرف بالصفة الجمعية للجمهور . ومعروف في أوساطنا الشعبية أن (ابن الأصول) – أو ابن الحَمولة كما في لهجتنا الدارجة – لا ينحرف كما ينحرف المنبتر عن أصله وعشيرته. والسبب استحضاره – في اللحظة والموقف المعين – للعناصر الجمعية للعشيرة أو العائلة المعروفة التي ينتمي إليها. وإلى ذلك أشار القرآن الكريم في كون عقوبة الجارية الزانية على النصف من عقوبة الحرة، كما قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (النساء:25). وشبيه به ما جاء عن هند بنت عتبة رضي الله عنها أنها قالت : (أو تزني الحرة يا رسول الله؟). أيها الشجعان! إنكم مصابون بعقدة (الرُّهاب) من الفرس وورثتهم أصحاب التشيع الفارسي. فبادروا إلى علاجها يرحمكم الله.

المهزوم لا يأتي بحل في لمحة سريعة للدكتور نوري المرادي وهو يتكلم في برنامج (الاتجاه المعاكس) يوم 24/11/2004 عن مؤتمر (شرم الشيخ) الخاص بمحاولة رسم خطوط عامة لحل مشكلة العراق. في هذه اللمحة تظهر لنا حقيقة عظيمة ما أحرانا أن نقف عندها ! قال د. المرادي: (جميع الحكام مهزومون نفسياً. والمهزوم نفسياً لا يستطيع أن يأتي بحل. وإن أتى، فهو انعكاس لهزيمته النفسية). إن هذا يقودنا إلى البحث عن علاج آخر مخالف تماماً للعلاجات المطروحة في الساحة؛ فهي جميعاً ليست أكثر من انعكاس للهزيمة النفسية التي يعاني منها أصحاب تلك الطروحات المهزومة. وعن علاج ناجع لهذه الهزيمة النفسية الشائعة كالوباء في أوساطنا.

دواء واحد فقط للعلاج عندما تجمع في صفحة واحدة بين عقدة النقص عند مجموع الرافضة، والهزيمة النفسية عند مجموع أهل السنة تجد أن الوصفة الأفضل لعلاجهما دواء واحد يصلح لكليهما مرة واحدة، ولا حاجة لتعدد الأدوية وتشتيتها. بعض المتحذلقين يحاول أن يتفلسف فيقول: لا بد من الاحتواء أولاً ثم الاختراق ثانياً. وما هذا إلا التفاف على العمل الجاد من أجل العلاج، ورجوع إلى نقطة الصفر، يعبر عن هزيمة مقنّعة لا تدع صاحبها يضع خطوة صحيحة على الطريق. وذلك تجنباً لمخاطره، وهرباً من تكاليفه. والحقيقة أنه لا يريد غير المضي في طريق الاحتواء، الذي لا يعني غير المجاملة أو المداهنة، والابتعاد عن طريق ذات الشوكة. إن العقل اللاواعي المهزوم يدرك أن العمر ينفد قبل الوصول إلى نقطة النهاية في طريق الاحتواء، وأن النقطة المؤدية إلى طريق الاختراق بعيدة وليست في حدود دائرة النظر. إنه المنهج الترضوي بثوب جديد! والإسلام لا يعرف هذه الفلسفة. لا تستغرب من هذا أيها الأخ الباحث عن الحقيقة! فقد مر الصحابة بمثل هذه الحال، ورصدها القرآن فسجلها في قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الأنفال:5-8). لكن الصحابة سرعان ما أفاقوا ونهضوا ليتخلصوا من عوارض الوهن، ونحن لا زلنا في وهننا سادرين، لولا بوادر الوعي التي اجتاحت محيطنا أخيراً بسبب انكشاف الأمور على حقيقتها، حين اصطف عامة الشيعة – إلا القلة من الأصلاء منهم – مع المحتلين، وكشروا عن وجههم الطائفي البغيض، فصار يراه الناس أجمعين. لكننا نخشى عند استقرار الأمور أن ينسى الناس ما تكشف لهم من حقائق، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الصمت والمجاملة ومراسيم التقرب والتقريب، لا سيما وكثير من الترضويين أو المتسيسين لا زالوا على أصنامهم الأولى عاكفين.

ب. الأساليب والمبادئ

1. الخطاب القوي هو الدواء ذكرت قبل قليل أن عقدة النقص عند الشيعي تجعل أي محاولة للتقرب منه يبذلها الآخر ينظر إليها على أنها تعبير عن الضعف. كما أن عقدة السيد أو الاستعلاء الناتجة عنها تجعله لا يعير اهتماماً لأي خطاب لين، أو تبدو عليه أية علامة تفسر لديه على أنها إشارة ضعف. إن السيد لا يحترم إلا سيداً مثله، ولا يستجيب لخطاب العبد بما يليق بمقام السادة. فإذا كنت محترماً فعليك أن تعامله بما يُفهمه أنك سيد بكل معاني الكلمة. أما المتسيد – وهو صاحب عقدة النقص – فلا يحترم إلا من يذله، ولا يشفيه إلا خطاب فوقي يشعره أن الآخر يستحق ليس الاحترام فحسب، وإنما السيادة عليه، والمتبوعية في العلاقة المتبادلة. هكذا يتعامل سادة الشيعة وعلماؤهم مع جمهورهم وعامتهم. وبهذه الطريقة فرضوا عليهم احترامهم ومتبوعيتهم. إن الشيعي يتذلل لـ(رجل الدين) عندهم، ويخضع له خضوعاً عجيباً إلى حد أنه يجلس بين يديه بكل خشوع ليسلمه أمواله ثم يقبل يده وهو يسلمه تلك الأموال، وينفذ أوامره بلا نقاش. ويهدي إليه ابنته كنذر، ليتزوجها بلا مهر! الواقع أن سادة الشيعة وكبراءهم لا يحترمون أتباعهم، بل يستهينون بهم ويتعالون عليهم. وبهذا فرضوا احترامهم وطاعتهم العمياء لهم! وما مثلهم ومثل شيعتهم إلا كمثل فرعون وقومه الذين قال الله عز وجل فيهم: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) (الزخرف:54)، ومثل اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم الذين قال الله فيهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (التوبة:31). الخطاب الصريح القوي وحده هو الذي يمكن أن ينفذ إلى عقول هؤلاء، ويلفت انتباهم، ويحظى عندهم بالتقدير والاحترام. وما دونه لا يفسر إلا على أنه علامة ضعف، وكذب وزيف. على أن يستمر هذا الخطاب على قاعدة (الطرق المستمر)، ويسير في اتجاهين: 1.  أولهما: كشف ما عليه التشيع من باطل في العقائد والشرائع، والتاريخ والواقع، وأخلاق وأحوال المتسيدين والمتفقهين والمراجع. وفضح أصله الفارسي، وعلاقته بإيران بداية ووهدفاً وغاية. وهذا يقدم في الطرح على الاتجاه الثاني وهو: 2.  بيان الحق المقابل، ودعوتهم إليه. مع التأكيد بوضوع على أنهم ليسوا على شيء حتى يتركوا ما هم عليه، ويقيموا الحق والدين الصحيح. هذا بالنسبة لجمهور الشيعة. وأما جمهور السنة فإن الخطاب المجامل والضعيف للشيعة لا يزيد أهل السنة إلا انهزاماً ووهناً. إنهم بأمس الحاجة إلى خطاب قوي مدوٍّ ، وقيادات قوية تتقدم صفوفهم، وهي تكشف – بصراحة تامة، ودون تردد أو تلعثم – زيف التشيع، وخطورة المؤامرة الشعوبية، وتعرض الحق والبديل الصحيح بوضوح تام ولو كره المجرمون.
هذا هو السبيل الوحيد لعلاج الأزمة النفسية التي يعانون منها، وإعادة الثقة إلى نفوسهم، والطريقة الوحيدة التي بها تنطلق قواهم وتتفجر طاقاتهم. وهذا هو الذي قصدته بقولي: إن دواءاً واحداً نحتاجه لعلاج الحالتين، ولا داعي للتفلسف وتعدد الأدوية.

2. فصل جمهور الشيعة عن مراجعهم هذا من أهم الأساليب الجماعية في علاج التشيع الفارسي. وأظنه يمثل نصف المسافة في طريق العلاج. أو نصف جهد العمل كله. لقد حصلت الانعطافة الكبرى في مسيرة التشيع بعد القرن الثالث الهجري عندما تمكن زنادقة الفرس – في غيبة الأئمة الكبار من رجال أهل البيت وغيرهم من علماء الأمة – من قيادته والإمساك بزمامه. ولبسوا لذلك العمامة الدينية، وتلبسوا بالزي الديني، وتظاهروا بحب أهل البيت والتباكي عليهم. لقد كان وجود رجل بزي عالم يروي رواية، أو ينشر فكرة، أو يبتدع بدعة ينسبها إلى محمد الباقر أو جعفر الصادق أو غيرهما من أئمة أهل البيت مجرد نسبة يكفي تماماً عند كثير من العوام لقبول ذلك كله مهما كان مخالفاً للمنقول أو مناقضاً للمعقول. وهكذا تمكنوا من تحويل التشيع من مساره إلى دين قائم بذاته أريد له أن يكون هو البديل عن الدين الذي جاء به النبي محمد . فكان ذلك إيذاناً بحدوث الانحراف الخطير في تاريخ التشيع: فقد تحول إلى دين قائم بذاته أصولاً وفروعاً، عقيدة وشريعة وأخلاقاً وسلوكاً . العلاج يمكن أن يتم باتباع الطريقة نفسها، ولكن بمضمون صحيح. وذلك بأن يستلم زمام قيادة التشيع علماء صادقون، ودعاة جادون يلبسون الزي نفسه الذي به قاد المزورون جمهور الشيعة. ويقومون بإزاحة أولئك الدجاجلة المزورين شيئاً فشيئاً، وطردهم من مواقعهم في قيادة المسيرة. ولست ممن يستعجل النتائج، فقد صبر زنادقة الفرس بضعة قرون، أفلا يصبر دعاة الحق بضعة عقود ليحصدوا ثمار جهودهم؟ أما الشروط المطلوب توفرها في هؤلاء العلماء والدعاة فهي: 1. عقيدة سليمة 2. إيمان صادق 3. حب الصحابة 4. حب الوطن والاستعداد التام للدفاع عنه 5. حب العرب وتبني مبدأ العروبة 6. معاداة الشعوبية والشعوبيين 7. معرفة كافية بالعجم ودسائسهم 8.  تبني القرآن الكريم مصدراً لأمهات العقائد والشرائع 9. الاحترام الكامل لبقية المسلمين 10. رفع السب واللعن عن جميع رموز الأمة من الصحابة فمن دونهم. 11. إعادة النظر في كل التراث المنسوب إلى أهل البيت، وتنقيته على أسس علمية صحيحة. 12. أن لا تكون لهم تبعية للرموز الحوزوية. ولا يعتمدون عند الظهور فـي موثوقيتهم لدى الجمهور على تزكيتها، بل يُظهرون مخالفتها، ويعملون على تسقيطها، واستلام المبادرة لتكوين مرجعية عربية، تكون هي الأساس والمرجع في التوثيق والتجريح. 13.  أن يكونوا ممن أثبتت الشواهد والاختبار والتجربة صدقهم وموثوقيتهم. قد يقول قائل: ما الفرق بين هؤلاء وبين أهل السنة؟ وأقول: ومن قال: إن هناك فرقاً مؤثراً بين التشيع الأصيل والتسنن؟ نحن نريد الرجوع بالتشيع إلى أصله، وهو حب أهل البيت الذي هو أحد مفردات السنة. ثم لا بأس أن يزيد عند البعض فيتميزوا به عن غيرهم – دون الوقوع في محظور الغلو – فنسميهم شيعة. هؤلاء هم إخواننا الذين نأمل أن يعودوا بالتشيع إلى أصله الصحيح، ويعيدوا له وجهه المشرق القديم بعد أن سوده أساطين التشيع الفارسي، والجهلة المخدوعون من جمهور المتشيعين. يحتاج هذا إلى مهاجمة رؤوس باطل التشيع الفارسي، وتسقيطهم من خلال فضح عقائدهم وبدعهم، وسلوكهم وسوءات أخلاقهم، وهي كثيرة. وهذا منهج قرآني أعرضنا عنه فخسرنا كثيراً. انظر كيف هاجم القرآن المرجعية الباطلة كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة:34) وقال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31). وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:5). ومن هذا الباب تنديده بأبي لهب مشخصاً إياه بالاسم فقال: (تَبَّتْ يَدَاأَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إلى آخر سورة (المسد). وذكر مرجعيات للكفر أخرى لكنه اكتفى بذكر الأوصاف الدالة دون الاسم كما في قوله: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) (القلم:10-16). وقوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى) (العلق:9-10). وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً) إلى قوله: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (المدثر:11-26)، وغيرها من الآيات كثير.

3. فضح تعلق الشيعة المزيف بـ(أهل البيت) لا تجد جماعة مبطلة إلا وتتعلق برمز صالح من الأقدمين، تنتسب إليه، وتستمد مشروعيتها من هذا الانتساب المزور. إن فضح هذا الزيف ضرورة من ضرورات إضعاف أهل الباطل؛ لأنه يسحب بساط المشروعية التي يعتاشون عليها، ويستمدون بقاءهم واستمرارهم من خلالها. لذا يؤكد القرآن الكريم على قطع هذه الصلة بين أهل الباطل ورموزهم الصالحة التي يدّعون الانتساب إليها من الأنبياء وغيرهم من الصالحين. كما قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67). وقال: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:68) . إن الشيعة والتشيع يعتمد في بقائه على ادعائه الانتساب إلى (أهل البيت)، ويستمد قوته وأسباب وجوده واستمراره من هذه الدعوى. فتجريده منها يسحب البساط من تحته، ويظهر وجهه الكالح على حقيقته. أما الاقتصار على مدح علي t فهو اعتراف ضمني بصحة تلك النسبة المزيفة. إنه عبث آن الأوان لأن نضرب على يد أولئك الحمقى المنهزمين كي ينتهوا عنه.

4. بيان بطلان (خمس المكاسب) لو أردت تلخيص التشيع بجملة واحدة لقلت: (دين فاسد وخمس مكاسب). وإذا شبهنا التشيع بالبناء فإن (الخمس) هو أساسه الذي لا يمكن بدونه أن يبنى وتستقر أركانه. إن هذا الدين الفاسد ما كان له أن يقوم لولا تلك الأموال الطائلة التي يستولي عليها كهنة التشيع باسم (الخمس) و(الحقوق الشرعية) وما شابه من المسميات الباطلة. إذن فضح ممارسات أولئك الكهنة في هذه القضية، وكشف زيفها وعدم استنادها إلى أي أساس شرعي يشكل إحدى الفقرات المهمة في عمود التغيير الجماعي المنشود. ومما يبشر بالنجاح في هذه المَهَمة أننا وجدنا إقناع العوام – بل حتى النخبة غير المستفيدة – بعدم مشروعية (الخمس) ليس بالأمر الصعب أبداً لو وجد له دعاة مثابرين؛ لكونه يرفع عن كاهلهم التزاماً مادياً مرهقاً ما كانوا يؤدونه لولا اعتقادهم الساذَج بمشروعيته ووجوبه. إن حب المال مركوز في فطرة الإنسان؛ فلا يمكن أن يتخلى عما في يده إلا لدافع قوي كالوجوب الشرعي، فإذا انهار هذا الدافع تخلى عن الدفع. وقد أشار القرآن إلى أصل هذه الحقيقة بقوله تعالى: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) (محمد:36،37). وقد جربنا ذلك في الواقع فوجدنا سهولة واضحة في تخلي الشيعي عن قناعته بمشروعية (الخمس) أكثر بكثير من إقناعه ببطلان أصول عقيدتهم كـ(العصمة) و(الإمامة) وزيارة المراقد، بل وكثير من فرعيات بدعهم. وهذا يشكل لنا مدخلاً مناسباً لضرب الأسس الأخرى للتشيع الفارسي، فإن اهتزاز القناعة بأي مسألة يثير الشك – ولا بد – في بقية المسائل.

4. اتباع كل الوسائل الجماعية الأخرى ليكن معلوماً أن هذا الكتاب موضوع لرسم المنهج المطلوب بخطوطه أو مبادئه العامة. وليس هو موضوعاً للحديث عن العلاج بمسائله التفصيلية؛ فإن هذه جزئيات تتغير بتغير الواقع؛ ولا نحتاج لها إلا عندما نبدأ بالتحرك للتطبيق حسب الظرف أو الواقع المعين. وهنا يجتمع أهل الحل والعقد من غير الترضويين ليضعوا العلاج في ضوء تلك الخطوط والمبادئ العامة. وإذا كان هناك من شيء يضاف هنا فأقول: علينا باتباع كل وسيلة تغييرية جماعية حتى لو كانت هي الهجرة أو التهجير. ولا أرى العراق يستقر على حال ما دامت بغداد منتشراً فيها سرطان الشيعة الذي كان السبب الأول في سقوطها بيد الغزاة الأمريكان، والسبب الأول في إطالة أمد بقائهم، من خلال الاستحواذ عليهم ومنعهم من المؤمنين. والحل الأمثل هو برجوع بغداد إلى حالها الأول، وإخراج الوافدين العملاء منها إلى جحورهم القديمة. ولمن كبر عليه وقع هذا الكلام أقول: قد استعمل الرسول الأكرم  هذا الأسلوب فقد أجلى اليهود أكثر من مرة كلما نقضوا العهد، أو اصطفوا مع الغازي الخارجي ضد وطنهم. فأجلى بني قينقاع وبني النضير وغيرهم، وأباد بني قريظة عن آخرهم حين ارتكبوا الخيانة العظمى فتآمروا مع الغزاة، وجلبوهم ليحتلوا المدينة المنورة دولة الإسلام الأولى المصغرة، وفي ذلك يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر:2-4). بل جاء الأمر الإلهي صريحاً في تهجير أهل الفتن، كما قال تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلَِ) (البقرة:191). وقال فيمن يتعرض لأمهات المؤمنين بأذى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب:60-62). هشاشة صف الخصم يقول الاختصاصي النفساني عبد الله مصطفى ناقلاً عن البروفسور مصطفى زيور: (إن ما يجمع بين التجمعات اليهودية الإسرائيلية بالرغم من اختلافها في كل شيء، إنما يتلخص بهذا التوحد بالمعتدي الذي أتاح لليهود التحول من المذلة إلى الطغيان، ومن الخنوع إلى السفاحية. لذلك يستنتج المحلل الحاجة الإسرائيلية – النفسية لممارسة العدوان. فشخصية المتوحد بالمعتدي تفقد تماسكها إن هي توقفت عنه. لأن العدوان يطمئنها، مانعاً تفجر موجات القلق والرعب فيها. وكأن لسان حالها يقول: ما دمت أنا المعتدي فلا خوف علي من الارتداد إلى ما كنت عليه يهودياً تائهاً رعديداً يفتك به الناس في كل مكان. من هنا يمكن استنتاج هشاشة الشخصية الإسرائيلية. وعدم قدرتها على تحمل أي إحباط. كون الإحباط يصيب هذه الشخصية بالتهاوي والتفكك مهدداً بزوال الهوية الزائفة. لذلك فان القادة الإسرائيليين مجبرين على تأمين أفضل مستويات الروح المعنوية ليهودهم. وبناء على هذه الهشاشة وعدم القدرة على تحمل الإحباطات تقوم إسرائيل باعتداءات دورية غير ذات هدف محدد، سوى دعم مشاعر القدرة على العدوان وإثباتها). وأنا أطمئن أهل السنة فأقول: إن الشخصية الشيعية شخصية اضطهادية. تعاني من النقص والخوف والشعور بالضعف والاغتراب والقلق. لا تعرف الوسطية؛ فهي إما ذليلة خانعة مستكينة – إن هي فقدت أسباب القوة – وإما طاغية متجبرة متوحشة، متى ما شعرت أنها تمتلك سبباً من أسباب القوة. ولا تعرف التعايش مع الآخر. فإما أن تأكله، وإما أن يلجم فمها ليستمر. يجمع بينها وبين مثيلاتها – كالشخصية اليهودية – سمة (التوحد بالمعتدي). ما يعني أنها تفقد تماسكها إن هي توقفت عن العدوان، وعدم قدرتها على تحمل أي إحباط؛ لكون الإحباط يصيب هذه الشخصية بالتهاوي والتفكك والزوال؛ فما علينا إلا العمل على إيقاف ممارستها للعدوان، وعدم إعطائها الفرصة لممارسته في المستقبل. إن هذه الشخصية غير قادرة على تحمل حالة النصر أو الهزيمة. فهي إن انتصرت اعتدت وخربت ودمرت. وإن انهزمت أحبطت وتهاوت وتفككت؛ لذا علينا أن نعمل على إلحاق الهزيمة بها، وإبقائها خائفة ضعيفة. واعلموا أنها ستتهاوى عند أول ضربة قوية؛ لأن ذلك يشعرها سريعاً بالإحباط، وهي غير قادرة على تحمل أي بادرة له. أما ما ترون من علامات القوة عندها، فالحقيقة غير ذلك. إنها انتفاشة وانتفاخ كاذب يعبر عن خواء ونقص وضعف، أكثر مما يعبر عما يتوهم المتوهمون. وأنا أبشر نفسي وإخوتي والأمة جمعاء بقول الله تعالى فيهم وفي أمثالهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (الحشر:11-17). وصدق من قال: العقائد التي يبنيها الحقد يهدمها الانتقام. والحمد لله رب العالمين.

مصطلحات مهمة

في علم النفس والأمراض النفسية

هذه مجموعة من المصطلحات العلمية المستعملة في علم النفس والأمراض النفسية التي وردت في هذا الكتاب. عمدت إلى طرحها بأسلوب مبسط قدر الإمكان، محاولاً أن لا يبعدني ذلك كثيراً عن التفسير العلمي الفني أو الأكاديمي للمصطلح، الذي يتميز عادة بتعقيده
وانغلاقه؛ ما يجعله صعب الفهم بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص؛ فيحتاج إلى تبسيط قد يؤدي – بطبيعة الحال – إلى الخروج شيئاً ما عن المعنى العلمي الدقيق للمصطلح. وقد اعتمدت في عرضها على كتاب (التخلف الاجتماعي) للدكتور مصطفى حجازي، وكتاب (أصول علم النفس) للدكتور أحمد عزت راجح.

العقدة Complex استعداد نفسي لا شعوري مكبوت يقسر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر والشعور والتفكير. مركب من ذكريات وأحداث مكبوتة مشحونة بشحنة انفعالية قوية من الذعر أو الغضب أو الكراهية أو الاشمئزاز أو الغيرة أو الإحساس الخفي بالذنب. والعقدة استعداد لا شعوري أي لا يفطن الفرد إلى وجوده ولا يعرف أصله ومنشأه، وكل ما يشعر به هو آثار العقدة في سلوكه وشعوره وجسمه: كالقلق الذي يغشاه، أو الشكوك التي تساوره، أو اضطرابات في وظائف أعضاء الجسم كالمعدة أو القلب أو التنفس. قد تنشأ العقدة من صدمة انفعالية واحدة، أو من خبرات مؤلمة متكررة، أو من تربية في عهد الطفولة، تسرف في الكبح والتخويف أو التدليل أو التأثيم أي إشعار الطفل بأنه خاطئ مذنب من كل ما يفعل. مثل هذه التربية من شأنها أن تولد في نفسه مشاعر بغيضة بالنقص والذنب والقلق والغيرة، أو عواطف هدامة كالحقد والكراهية. وهي مشاعر وعواطف ثقيلة على النفس لا تلبث أن تكبت فتنشأ عنها عقدة أو عدة عقد. وقد تكون عناصر العقدة وملابساتها منسية نسياناً تاماً، أو جزئياً. عقدة النقص Inferiority complex يشعر الفرد بالنقص حين يدرك أن بينه وبين غيره فرقاً في جسمه وقوته، أو ذكائه وعلمه، أو حالته الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها، حقيقياً كان هذا النقص أم متوهماً. إذ ليس من الضروري أن يكون بالفرد نقص حتى يتملكه هذا الشعور الذي يدركه إدراكاً مباشراً ويعترف به مع نفسه. وقد يدفع هذا الشعور صاحبه إلى التفوق والارتقاء بطريق مباشر كما يعمد ضعيف الجسم إلى تقوية بنيته، أو بطريق غير مباشر كما يفعل الطالب المتخلف في دراسته على التفوق في مجال النشاط الرياضي مثلاً. أما عقدة النقص فتتولد حين يتعرض الفرد لمواقف كثيرة متكررة تشعره بالعجز والفشل وقلة الحيلة، مع فشله في التعويض الناجح؛ فيلجأ إلى كبت شعوره أي إلى إنكار وجوده، بل وإلى عدم الاعتراف بما لديه من عيوب فعلية. ويلجأ كذلك إلى التعويض الوهمي، كأن يصاب بمرض نفسي كالهستريا يتخذه عذراً وجيهاً عن عجزه ونقصه؛ إذ لو لم يكن مريضاً لما عرف العجز إليه سبيلاً، بل لتفوق على غيره. وهكذا يعفوه المرض من لوم الناس، بل من لوم نفسه. أو يلجأ إلى الدعاوى الفارغة وأوهام العظمة. والمصاب بعقدة النقص كل ما يذكره بالنقص يحمله على الفور وبطريقة تلقائية على الدفاع عن نفسه بأن يستجيب بعنف.

التعويض الزائد Overcompensation التعويض هو كل محاولة لإخفاء نقص أو التغلب عليه. وكثيراً ما يكون التعويض ستراً للنقص لا التماساً للقوة وإصلاح العيب. وقد يطلق التعويض على كل محاولة للتحرر من الشعور بالنقص؛ لذا فقد يعتبر التبرير والإسقاط وأحلام اليقظة والعدوان على الغير مثلاً صوراً من التعويض لكنه تعويض فاشل. أما التعويض الزائد فهو مهاجمة النقص بعنف بما يؤدي إلى تضخم مظاهر التعويض، كالشخص الضعيف البنية الذي يمارس الألعاب الرياضية ولا يقنع أن يصير جسمه عادياً بل يجهد نفسه ليكون من الأقوياء. ويتخذ التعويض الزائد صوراً كثيرة منحرفة منها اصطناع ضروب من التصرف المتكلف السخيف طمعاً في جلب انتباه الآخرين. والتباهي بأعمال عظيمة، أو الخروج على الناس بأفكار مغربة، أو التمشدق في الحديث، أو اللباس غير المحتشم. بل قد يتخذ شكل عدوان وإجرام كي يثبت الفرد لنفسه وللناس أنه غير ضعيف، وأن لديه من القوة ما يتحدى به حتى القانون. ومن الأمثلة على التعويض الزائد العمامة الكبيرة الزائدة عن الحد التي يلبسها (رجل الدين) الإيراني عادة ومن لف لفه ، وتقيده بملابس ذات تصميم خاص ملفت للنظر لإخفاء الجهل الذي يعاني منه. وكتابة المؤلفات المستعصية على الفهم للسبب نفسه.

عقدة الذنب Guilt complex الشعور بالذنب أو وخز الضمير (Sense of guilt) هو الشعور الذي ينجم عن قيام الفرد بعمل لا يرضاه ضميره، وهو شعور سوي ذو قيمة في تهذيب الفرد. غير أن هناك شعوراً بالذنب يكون هائماً طليقاً غير واضح المصدر – مثله كمثل القلق العصابي – وكثيراً ما يقترن بالقلق واستصغار الذات أو الاشمئزاز منها. فترى المصاب لا يعرف لماذا هو يشعر بالذنب، يغشاه شعور غامض موصول بأنه مذنب آثم حتى إن لم يكن أذنب أو أتى شيئاً يستحق عليه العقاب، أو يلوم نفسه على أمور لا يلومه عليها أحد، ويرى في أخطائه ذنوباً لا تغتفر. في هذه الحال يكون الفرد يعاني من ((عقدة الذنب)). كما أنه يشعر بحاجة ملحة إلى التكفير – ولو بعقاب نفسه – التماساً للراحة، وتخففاً مما يكابده من توتر مجهول المصدر. وتفسير ذلك التنشئة منذ الصغر على تهويل الذنوب مهما صغرت، ولوم الطفل وعقابه وتأنيبه وإشعاره بالذنب من كل ما يفعل، وأنها لا تكفر حتى يحل العقاب، فتراه لا يشعر بالراحة إلا إذاتعرض له. حتى إن فتاة منعها والداها من قراءة كتاب معين، غير أنها أخبرتهما ذا يومٍ – كذباً – أنها قرأته فأوقعا عليها العقاب، إذ ذاك شرعت تقرأ الكتاب وهي مطمئنة مرتاحة البال. وهكذا ترى أن من يعاني عقدة ذنب يندفع من تلقاء نفسه إلى عقاب نفسه، تدفعه حاجة لا شعورية ملحة إلى هذا النوع من العقاب. سواء كان هذا العقاب مادياً أو معنوياً، فتراه يورط نفسه – عن غير قصد ظاهر منه – في متاعب ومشاكل مالية أو مهنية أو عائلية أو صحية لا يناله منها إلا التعب والمعاناة والمشقة والعذاب. بل قد يستفز عدوان الغير عليه، أو عدوان المجتمع بارتكاب جريمة. فإذا حل به العقاب زال عنه ما يغشاه من توتر أليم. والانتحار أقسى حالات عقاب الذات. ومن هؤلاء من يتقبل الإهانات دون دفاع عن نفسه، وهو يفتش عما يؤذيه ليجد الراحة بل اللذة في هذا الأذى أو العقاب. ويطلق على هذا الشخص لقب المازوخي أو الماسوشي (Masochist). وتظهر عقدة الذنب واضحة لدى الشيعي وهو يجلد نفسه جلداً دونه جلد الزناة في شرع الإسلام، ويلطم صدره ويشدخ رأسه إلى حد فقدان الوعي أو الموت تحت ذريعة خيالية هي حب الحسين! وتجد الماسوشية جلية في تفشي اللواطة في المجتمع الإيراني خصوصاً في المراكز الدينية وما حولها. وقد انتقلت هذه الرذيلة إلى المراكز نفسها في النجف وغيرها والتجمعات التي تأثرت بها. وتقوم عملية ((الإسقاط)) بدورها في إلصاق هذا العمل الخسيس بخصومهم، حتى إنهم يتهمون به خيرة الصحابة! بل كل من تسمى بـ((أمير المؤمنين)) من خلفاء المسلمين في تاريخهم بدءاً بعمر بن الخطاب  وأرضاه !

اللاوعي (= الخافيّة ، اللاشعور ، العقل الباطن) Unconscious يعتبر التحليل النفسي أن النفس الإنسانية تقسم إلى قسمين أساسيين: النفس الواعية وتسمى الوعي (الشعور)، وهي مركز العمليات الذهنية العادية من تفكير وإدراك وإحساس وإرادة وتخطيط وتفاعل مع العالم. والنفس اللاواعية (اللاشعور)، وهي تضم كل القوى النزوية وكل الميول الطفلية والبدائية ذات الطابع الحيواني التي لا تعرف المنطق ولا تراعي الزمان ولا المكان. هذه القوى تظل بعيدة عن إدراكنا، ولكنها تؤثر فينا وتوجه سلوكنا وعلاقاتنا واختياراتنا دون أن ندري حتى إنها قد تتقنع باعتبارات عقلانية منطقية. واللاوعي يشكل الجانب الأكبر من الحياة النفسية، وتأثيره حاسم في بنية الشخصية وتوجهاتها الأساسية. تحتاج محتويات اللاوعي إلى إشباع عن طريق التنفيس الذي يتخذ أشكالاً رمزية ومقنعة، وينبث في كل تصرفاتنا اليومية. فيظهر عادة بشكل مقنع في الأحلام والهفوات وفلتات اللسان. وبما أن هذه المحتويات إجمالاً من النوع غير المقبول خلقياً أو اجتماعياً؛ ولذلك يتنكر لها صاحبها أشد التنكر ويقاومها الوعي بشدة؛ لأن الوعي بها يثير قلقاً شديداً يصعب على الشخص احتماله. وفي رأيي أن النفس اللاواعية لا تضم الميول البدائية والشريرة التي يتنكر لها الشخص في وعيه فحسب، بل تضم الميول والدوافع الخيرة أيضاً التي يختزنها الشخص في لا وعيه، وتحكم تصرفاته بصورة تلقائية غير واعية إجمالاً. ويتم ذلك كله عن طريق الكبت.

الإيحاء (= الاستهواء) Suggestion التأثير دون إقناع منطقي، ودون أمر أو قسر لقبول رأي معين أو احتضان اتجاه معين أو أداء فعل معين. يقوم الإيحاء بدور كبير في تكوين اتجاهاتنا وعواطفنا إزاء الآراء والأفكار والمعتقدات والنظم الاجتماعية. تزداد قابلية الفرد للإيحاء أي لتقبله ما يوحى به إليه دون مناقشة أو نقد أو تمحيص في حالة كونه طفلاً أو جاهلاً أو منفعلاً أو مريضاً أو في حشد من الناس، أو كان الإيحاء صادراً من شخصيات بارزة أو ذات نفوذ. على هذا النحو يتشرب الطفل كثيراً من الآراء والاتجاهات والمعتقدات الشائعة في أسرته دون قصد منه، ودون نقد أو تحليل لاتجاهات الأسرة نحو الدين والوطن والنظام الاجتماعي أو الاقتصادي، نحو المباح أو المحظور، نحو النظام أو الفوضى، نحو المسالمة أو العدوان، نحو حب جماعة أو كره أخرى. لذا فنحن نحمل معنا من عهد الطفولة كثيراً من الانحيازات الضحلة والاتجاهات الحمقاء إزاء بعض الأشخاص أو الجماعات أو الآراء والمعتقدات. وليست الأسرة وحدها مصدر ما نكتسبه من اتجاهات عن طريق القابلية للإيحاء، فهناك المدرسة والصحافة والدعاية والمطالعات الخاصة وأفكار قادة الرأي، والأصدقاء. على هذا النحو تتكون الكثرة من اتجاهاتنا وعواطفنا، فنحن لم نكتسبها عن طريق التعقل والتفكير والتحليل، بل بطريقة لا شعورية غير مقصودة عن طريق التكرار والعدوى الاجتماعية. على أن هذا لا ينفي أننا نكتسب اتجاهات وعواطف نتيجة التفكير الذاتي والتحليل. لكن هذا له تأثير كما للآخر من تأثير. وقد عرف أساطين التشيع الفارسي هذه الخاصية النفسية فاعتمدوا في نشر أفكارهم ومعتقداتهم وطقوسهم عن طريقها بالدرجة الأساس، مستغلين زمن الطفولة لغرسها، وجهل الناس بالكتاب والسنة وحقيقة الأمور. وكذلك اعتماد التهييج العاطفي عن طريق النياحة والقصائد المرنمة الشجية، والاستعراضات والحشود الجماهيرية وما يسمى بالمواكب الحسينية، والألقاب الضخمة للشخصيات التي تتقدم المسيرة والمرجعية مع العمامة الكبيرة والملابس الخاصة، وإخفاء المرجع في أكثر الأحيان لإضافة هالة من السرية والإبهام والفوقية على شخصيته، كل هذا من أجل أن يؤدي الإيحاء وظيفته لغرس ما يريدون في نفوس الناس قبل عقولهم. فيكون ترسيخ المعتقدات في العقول لا عن طريق الممر الطبيعي وهو مخاطبة العقل مباشرة، وإنما تسريبها إليه من النافذة الخلفية وهي النفس؛ لأنهم يعلمون أنها لو سلكت الطريق المعتاد وحاولت دخول العقل من بابه لربما صدت ولم تتمكن من الدخول. وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح ((التفكير النفسي)). هذا مع اعتماد وسيلة الدعاية والإعلام والتكرار المستمر دون كلل أو ملل للأفكار نفسها على أسماع الجماهير.

الكبت Repression عملية نفسية دفاعية أساسية يتمكن الأنا الواعي بواسطتها من طرد الرغبات والأفكار والانفعالات المصاحبة لها خارج حيز الوعي إلى حيز اللاوعي هرباً مما يسببه الوعي بها أو تنفيذها من قلق نظراً لتعارضها مع رغبات أخرى أو مع أوامر الأنا الأعلى (الضمير). فهو ينكر ويعمى عن عيوبه ونقائصه ودوافعه المستكرهة ومقاصده السيئة؛ ليحفظ له كبرياءه واحترامه لنفسه. فالكبت هو أحد العوامل الأساسية لتكوين اللاوعي، به نصرف انتباهنا عن فكرة أو شعور أو حادث بصورة متعمدة ومستمرة حتى نستبعد هذه الأشياء من الوعي في النهاية فلا نستطيع استرجاعها. لكن الرغبات المكبوتة لا تزول، بل تظل نشطة وهي كامنة في اللاشعور تمارس ضغطاً مستمراً كي تبرز إلى حيز الوعي والتحقيق من خلال السلوك والتصرف عندما يتعرض المرء إلى ما يستفزه من ظروف ويثيره من مواقف.

الإسقاط Projection عملية نفسية ينسب الشخص من خلالها ويحوِّل إلى غيره صفاته هو أو مشاعره أو رغباته أو نزواته أو أفكاره التي لا يرغبها ويخجل من الوعي بكونها جزءاً من ذاته. فهو يتهرب لا شعورياً منها بطردها عن نفسه أولاً، ثم إلصاقها بالغير أو اتهامه بها ثانياً كنوع من تبرئة الذات أو الدفاع السلبي عنها. إنه عبارة عن تخلص من كل ما هو سيء في الذات باتهام الآخرين به. فهي عملية أو حيلة نفسية دفاعية مزدوجة. وتتخذ في الخارج مظهرين: •  أولهما أن ننسب عيوبنا ونقائصنا ورغباتنا المستكرهة المكبوتة إلى غيرنا من الناس والأشياء أو الأقدار أو الحظ وسوء الطالع؛ وذلك تنزيهاً لأنفسنا، وتخففاً مما نشعر به من قلق أو خجل أو نقص أو ذنب. كل ذلك بطريقة لا شعورية. فالكاذب أو الجحود أو الأناني أو المتعصب الذي لا يفطن إلى وجود هذه الخصال في نفسه، ينسب الكذب والجحود والأنانية والتعصب إلى غيره. ومن هذا الباب لا يصدق الكذاب ما يقوله الناس؛ لأنه يرى فيهم نفسه المطبوعة على الكذب. ومن أمثلة ذلك: الزوج الذي تنطوي نفسه على رغبة مكبوتة في خيانة زوجته يميل إلى اتهامها بالخيانة. والأب الفاشل في عمله يميل إلى اتهام ابنه بالإهمال في دراسته. والمدرس الكسول لا يغفر لتلاميذه الكسل؛ لأنهم يصورون له الناحية التي يكرهها من نفسه. كذلك نرى القاضي الذي تعتلج في نفسه ميول إجرامية يميل إلى الصرامة في أحكامه. ومتى رأينا عيوبنا في الناس ملنا إلى وعظهم واشتددنا في محاسبتهم على عيوب نتسم بها ولا ندري. فيكون الوعظ في هذه الحالة مظهراً للإسقاط. من هنا نرى أن أحكامنا على الغير كثيراً ما تكون أحكاماً على أنفسنا، فهي اعترافات أكثر من أن تكون اتهامات. ولكن أكثر الناس لا يشعرون. من ذلك ترى اتهام الشيعة لأهل السنة بالتكفير والإرهاب وأنهم يظلمونهم ويضطهدونهم ما هو إلا عملية إسقاط يزيحون بها عيوبهم ونقائصهم ورغباتهم المكبوتة إلى الآخرين، ليتخففوا من الشعور بإثمها وعارها أولاً، وليبيحوا لأنفسهم ظلم غيرهم واضطهادهم على اعتبار أنهم يفعلون ذلك من باب الانتصاف والرد بالمثل، والدفاع عن النفس. ومن ذلك وصف جورج بوش للمقاومة العراقية بالقتلة والمتوحشين والمجرمين. وإنما هي صفاتهم يسقطونها على غيرهم. •  أما المظهر الثاني للإسقاط فهو لوم الغير على ما نلقاه من صعوبات وفشل وما نقع فيه من أخطاء. فكثيراً ما نعزو الرسوب في الامتحان إلى صعوبته، والفشل في المشروعات إلى الحظ، وسوء سلوك الطفل إلى وراثته لا إلى سوء تربيتنا إياه. من ذلك نرى أن الإسقاط يؤدي غرضاً مزدوجاً: ففيه نتخفف من مشاعرنا ودوافعنا البغيضة، وفيه نكون في حل من نقد الآخرين ولومهم وتوجيه الأذى إليهم قبل أن يوجهوه إلينا. والإسقاط يختلف عن التبرير في أن التبرير دفاع واعتذار، بينما الإسقاط اتهام وقذف واعتداء. ولا يتم فهم معنى الإسقاط إلا بفهم عمليتين نفسيتين أخريين هما: الاجتياف والتماهي.

اجتياف Introjection الاجتياف هو العكس المكمل للإسقاط . إنه تلقي وتمثل أو تقمص كل ما هو مرغوب فيه، وتصوره جزءاً من الذات كما يتمثل الجسم الطعام. مأخوذ من إدخال الطعام إلى الجوف. وهو عملية نفسية دفاعية لا واعية إجمالاً. وقد يجتاف الشخص غير المرغوب فيه من الصفات.

التماهي (= التوحد ، التقمص) Identification عملية نفسية يتمثل أو يتقمص الشخص من خلالها جانباً أو خاصية أو صفة من الآخر، ليتحول كلياً أو جزئياً على غراره. والفرق بينه وبين الاجتياف في أن الاجتياف هو العملية التي يتحقق بها التماهي، وأنه أعم من التماهي الذي يقتصر على التعامل مع الشخص الآخر، بينما الاجتياف يتعامل مع الصفات عموماً ارتبطت مع ذات أخرى أم كانت مجردة. وهو يختلف عن المحاكاة في أن الأخيرة تظل سطحية وواعية، أما التماهي فهو عملية نفسية لا واعية تؤدي إلى انبناء الشخصية تبعاً لنموذج معين. فتأثير التماهي (أي أن يكون الشخص هو الآخر، أو أن يكتسب هويته) حاسم في تكوين الشخصية. علماً أن بناء الشخصية يتم عبر سلسلة من التماهيات الجزئية بأشخاص يعتبرون مرجعيين كالوالدين والأساتذة والرؤساء والزعماء والأصدقاء إلخ… ومن ذلك تقمص الطفل شخصية أبيه ليشعر بالقوة التي يصبو إليها، والفتاة المحرومة شخصية الممثلة التي تعجب بها، وتعلق التلميذ الضعيف تعلقاً شديداً بمدرس المادة المتخلف فيها، وتقمص الآباء المحرومين في طفولتهم شخصيات أبنائهم فينعمون عليهم بما كانوا قد حرموا منه من ملذات الحياة، ويشعرون بشدة بما يشعرون به من حزن وسرور وحب وكره. ومن ذلك حالة رجل لا يريد أن ينجب أكثر من طفل واحد، ويصر على ذلك إصراراً يبرره بأن تحديد النسل خير طريقة لتربية الأطفال. غير أن التحليل النفسي دل على أن لديه رغبة قديمة دفينة في أن يكون وحيد أمه. وقد اتخذ من طفله وسيلة لتحقيق هذه الرغبة فتقمص شخصية طفله أو أمه وأخذ يدلل ابنه على غرار ما كان يرجو أن تدللـه أمه هو! أي كان الغرض من تحديد النسل لم يكن في الحقيقة مصلحة الابن، بل حاجة الأب إلى تحقيق رغبته الطفلية اللاشعورية. فالشعور بالحرمان والنقص والعجز من الدوافع القوية للتماهي أو التقمص. ومن محفزاته الإعجاب. ويكون طبيعياً وعادياً حين يكون جزئياً يكتسب الإنسان من خلاله صفات مرغوباً فيها يتمتع بها الآخر. لكنه يكون مرضياً حين يكون كلياً بحيث يفقد الشخص استقلاليته وذاتيته في حالة من الذوبان في الآخر. والتماهي يكون خطراً على المجتمع حين يكون تماهياً إسقاطياً وحين يكون تماهياً بالمعتدي:

التماهي الإسقاطي Projective identification وهو عملية نفسية يحاول الشخص من خلالها إدخال ذاته لا شعورياً داخل شخص آخر مكروه بالنسبة إليه كي يسيء إليه ويمتلكه ويسيطر عليه، من خلال استخدامه كمجسد لإحدى نزعاته التي يخشاها كالغدر والعدوانية، أو صفاته التي ينفر منها كالحقد، وذلك بالتنكر لها في النفس وإسقاطها على الشخص الآخر الذي يتعامل معه تبعاً لموقفه من تلك الخاصية (النزعة أو الصفة) وبصورة أسطورية؛ إذ يعتبره رمزاً مضخماً لما هو ممنوع ومكروه في داخله. وقد يعمل التماهي الإسقاطي باتجاه الحب بالطريقة نفسها بصورة معكوسة إذ يصبح الآخر المحبوب رمزاً أسطورياً للمثالية والطهر والخير الذي يرغب أن يتمثله في ذاته. فمبالغات الكره والعدوان، وكذلك مبالغات الحب والإحسان تقوم على هذه العملية النفسية. ومثاله عقيدة الشيعي بالإمام أو المرجع. وما يرتكبه الشعوبيون اليوم والغزاة من جرائم بحق أهل العراق.

التماهي الدفاعي (= التماهي بالمعتدي) Identification with the aggressor وهي عملية نفسية دفاعية لمجابهة القلق. ومعناها تمثل وتقمص عدوانية المعتدي التي يخشاها الشخص أيما خشية عندما يحس بالعجز عن التصدي لها بقوته الذاتية، مع البحث عن ضحية أضعف منه يصب عليها عدوانه بدلاً من المعتدي القوي كتعويض عن عدم قدرته على تصريف غضبه باتجاه الهدف الصحيح لخشيته المفرطة منه. وبهذا يثبت لنفسه وغيره أنه ليس ضعيفاً ولا يخاف، بل هو قوي ومخيف يستطيع أن يوقع الأذى بالغير ويخيفه. وبذلك يسيطر الإنسان على قلقه. وقد لوحظ ذلك في المعتقلات النازية إذ كان بعض الأسرى نتيجة الخوف الشديد من حراسهم قد صاروا يحاكونهم في حركاتهم ولباسهم وأفكارهم ومشاعرهم ويستسلمون لهم استسلاماً، بل ويعاملون من يفد إلى المعسكرات من أسرى جدد معاملة جافية عاتية تماثل معاملة الحراس لهم. وقد لوحظت هذه الظاهرة أيضاً في زنازين الأسرى العراقيين في إيران نتيجة الخوف الشديد بسبب التعذيب الوحشي الذي كان يوقعه الحراس الإيرانيون بالأسرى العراقيين. وهذه العملية لا تتم إلا مع عملية التماهي الإسقاطي التي من خلالها يتم إسقاط كل الصفات والنزعات غير المرغوبة على الضحية كي يبرر ممارسة العدوان عليها، وكأنه من خلالها يقوم – لا شعورياً – بمعاقبة نفسه على ضعفها وتخاذلها تجاه المعتدي الحقيقي. تشيع هذه الظاهرة عند الأطفال في مجابهة قلقهم: فالطفل الذي يخشى اللص يلعب دور اللص محاولاً بث الذعر في نفس طفل أصغر منه. وبذلك يسيطر على خوفه. والطفل الذي يخشى عقاب الأم يلعب دور الأم المعاقبة فيعنف أخاه الأصغر على غلطته. وتشيع هذه الظاهرة بين الشعوب المستعمرة، التي يتماهى بعض أفرادها بعدوان المستعمر فيقلدونه في سلوكه وصفاته وأدواته وممارسة الاعتداء على الضحية من أبناء بلدهم. وما يفعله ما يسمى بـ(الحرس الوطني) اليوم في العراق – وهم في الغالب شيعة شعوبيون حاقدون – تجاه أهل السنة على الخصوص أوضح مثال. والمعادلة النفسية كالآتي: محتل يجب على المواطن أن يقاومه ويقاتله، لكنه يخاف منه أيما خوف. وهذا ما يؤدي به إلى القلق والخشية من مواجهة الذات بضعفها وجبنها. وحتى يتغلب على هذا القلق – وبدلاً من أن يواجه المحتل الذي يخشاه – يقوم بتقمص صفات المحتل وعدوانيته مع إسقاطها على ضحية مناسبة، ينتقم فيها لا شعورياً – وبكل قسوة – من نوازعه وصفاته التي يكرهها ويخشاها، ويعاقب من خلالها نفسه التي لا تستحق – في لا شعوره – إلا الاحتقار والعقاب. وهنا يأتي دور اختيار الضحية اعتماداً على الخلفية الطائفية؛ فيكون أهل السنة هم الضحية التي يثبت من خلال الاعتداء عليها ذاته في أنه قوي وأنه لا يخاف. وبهذه الحيلة النفسية يتجنب أمرين لا يريد أن يواجههما في وعيه ولا واقعه: فهو لا يريد أن يعي حالته في كونه خائفاً متهرباً من واجبه في مقاومة المحتل، ولا كونه طائفياً حاقداً عدوانياً. ولا يريد أن يقاوم المحتل الذي يخافه ويرتجف منه، وإلا أدت به الحالة الأولى إلى الانهيار النفسي، والثانية إلى ركوب الخطر. وكلتا الحالتين أحلاهما مر.

العدوان Aggression هو إيذاء الغير أو الذات وما يرمز إليهما. ويقترن دائماً بانفعـال الغضب، ويتخذ صوراً شتى منها العنف الجسمي، أو العدوان باللفظ والتشهير والكيد. أو يكون غير مباشر كعصيان الطفل أوامر والديه، أو الغمز والتندر بالنكتة اللاذعة. قد يكون العدوان وسيلة للتمويه على شعور بالنقص، أو لتوكيد الذات وإعلان الشخص الخامل الذكر عن وجوده، أو لأنه يتوقع أن خصمه سيباغته على حين فجأة. وقد يحبط الفرد فلا يستطيع توجيه عدوانه إلى من اعتدى عليه أو هدد أمنه أو أساء إليه، فيلجأ إلى تصريف عدوانه عن طريق إزاحة هدف العدوان، فإذا بالشخص يوجه عدوانه إلى الناس والأشياء أو إلى نفسه. العدوان المزاح : إن حالت عقبات دون العدوان المباشر على مصدر الإحباط كأن يكون شخصاً مرهوب الجانب كالأب، أو محبوباً كالأم، أو محترماً كصديق تحول العدوان لينصب على أول ((كبش فداء)) يلقاه في طريقه: إنساناً كان أم حيواناً أم جماداً. كالأب الغاضب من رئيسه في الدائرة قد يصب جام غضبه على أولاده. والطفل الغاضب من والديه قد يكسر لعبته. والجماعة التي يحكمها رئيس مستبد قد تختار واحداً منها يكون ضعيفاً فتعزو إليه سوء سير الأمور. وقد دل إحصاء أمريكي على أن حوادث الاعتداء على الزنوج تزداد كلما هبطت أسعار القطن! كأن الزنوج هم المسؤولون عما يحل بالمحصول من بوار. وفي هذا ما يشهد بأن الإنسان ليس مخلوقاً منطقياً بل مخلوق سيكولوجي أو نفساني. فهنا نراه ينزع بطبعه إلى استعادة توازنه النفسي دون نظر إلى من يصب عليه عدوانه: ظالماً كان أم مظلوماً. العدوان المرتد : هو ارتداد العدوان إلى الذات. حين يحال بين الفرد وتصريف عدوانه بأي طريقة. كالطفل المغتاظ حين يضرب رأسه بالحائط، أو يشد شعره، أو يلقي بنفسه على الأرض. ويتخذ العدوان المرتد صوراً شتى منها: إسراف الفرد في لوم نفسه، أو إصابته بالهبوط والاكتئاب، أو بمرض عضوي كارتفاع ضغط الدم، أو الانتحار حين يكون بديلاً عن قتل الغير. ومن أوضح الأمثلة على العدوان المرتد طقوس اللطم والتطبير عند الشيعة.

اهتياج (= هياج، هوَس) Agitative mania حالة مرضية تتسارع فيها كل العمليات العقلية والنفسية، ويستثار الجهاز الحسي الحركي. فينطلق المريض في نشاط عارم ومشتت: يرقص، يغني، يركض، يتحرك، يتحدث بدون انقطاع، منتقلاً من فكرة إلى أخرى بدون أي ترابط سوى تداعي الأفكار والألفاظ . كل ذلك في نوع من النشوة العارمة، والشعور بالسعادة والوفاق مع الوجود، والرضى عن الذات، وتضخمها يعطي الإحساس بنسف كل الحدود والقيود. وإذا لم يتخذ الأمر طابع المرض العقلي الصريح والكامل فقد يكون الاهتياج عبارة عن رد فعل نفسي وجداني من الإحساس بالقوة والجبروت والسطوة على العالم الخارج، يرافقه مشاعر غبطة ورضى عن الذات، لا تستند جميعاً إلى أي أساس من الواقع. والاهتياج بهذا المعنى عبارة عن رد فعل على مشاعر العجز والتقصير والمهانة وما تولده من قلق شديد، وهو نوع من القلب السحري للمعادلة الوجودية لمصلحة الإنسان المسحوق والعاجز، أو الذي يعاني من عقدة الاضطهاد، حين يسنح الظرف وتنحاز القوة إلى جانبه في يوم من الأيام.

الرُّهاب (= خُواف، ذُعار) Phobia خوف مرضي من أشياء أو كائنات أو أماكن أو وضعيات لا يفترض أن تثير الخوف عند الإنسان الراشد العادي، فيصاب المريض بذعر شديد عندما يلتقي بما يخيفه من هذه الموضوعات كالحشرات والحيوانات والأماكن المغلقة، والأماكن المرتفعة. وقد نجد هذه الظاهرة حتى عند أبطال الحرب والمغامرة كالخوف من حشرة أو من الحقنة إلخ… . ومن ذلك خوف العرب من مواجهة الفرس وتفضيلهم قتال الروم دونهم.

الشرعنة Legitimation عملية نفسية تهدف إلى تبرير العدوان على الغير من خلال تأثيمه وتحميله مسؤولية ما يوجد من شر أو مأزق أو خراب، مع تبخيس إنسانيته والحط من قدره وتحويله إلى عقبة وجودية في طريق السعادة والوصول إلى تحقيق الذات أو الهدف. يترافق ذلك مع رد فعل يتلخص ببراءة الذات التي تصور كضحية لذلك الغير. وبهذا ينفتح السبيل أمام إطلاق العنان للعدوانية الذاتية في رد فعل تهجمي تدميري ضد الآخر المسؤول تحت شعار الدفاع المشروع عن النفس. وعماد شرعنة العدوان على الغير هو الإحساس بالغبن، وبروز الاتجاه الانتصافي أو الثأر للذات. وأوضح مثال واقعي للشرعنة ما يفعله الغزاة الأمريكان والشيعة في العراق اليوم بعد أن أمسكوا بزمام القوى الأمنية في البلد، ومن خلال منظماتهم الدينية والسياسية إذ يسومون الشرفاء سوء العذاب متهمين إياهم بشتى التهم التي تبرر لهم ممارسة عدوانهم عليهم كالوهابية والإرهاب والتكفير وقتل المدنيين والأبرياء إلخ… .

العُظام (= أوهام الاضطهاد أو العظمة) Paranoia مرض عقلي (ذُهان) يتميز بأوهام ومعتقدات ذات طبيعة اضطهادية تطغى على المصاب به لها في نظره صفة اليقين القاطع، وهي غير قابلة للتغيير بالإقناع أو البراهين العلمية أو العملية، مع أنها لا تستند إلى أي دليل أو واقع موضوعي! يقتنع المصاب بهذا المرض أنه ضحية مؤامرة تحاك ضده وتريد النيل منه، وأنه مظلوم ومضطهد ومغبون الحقوق. ويستجيب لهذه الأوهام بمجموعة من الإجراءات الدفاعية والهجومية ضد من يعتقد أنهم يضطهدونه تستغرق كل وقته وتصرفه عن مصالحه الحياتية أشدها هذيان الدعاوى، وهذيان الاضطهاد، وهذيان التأويل. ويكون تصرفه عدوانياً يتخذ طابع الدفاع المشروع من خلال سلوك الاضطهاد المضاد. فيكون في الحقيقة هو الظالم المضطهِد (بكسر الهاء) بينما هو يتوهم أنه مظلوم مضطهَد (بفتح الهاء) مع ممارسته ظلم الآخر واضطهاده! ويرافق ذلك نوع من مشاعر العظمة حيث يضع المريض نفسه في مرتبة من الأهمية تبلغ حداً فوق التصور. يتمتع المريض بكل صفائه الذهني خارج إطار موضوع التوهم، وميل مرضي للملاحظة والتحليل المتربص بكل شيء. والعظام من أشد الأمراض العقلية المزمنة، وشفاؤه صعب التحقيق. ومثاله اتهام الشيعة أهل السنة بعداوة أهل البيت، وأنهم مضطهدون من قبلهم.

الغبن المفروض (الموهوم) Injustice subie يصاحب مرض العُظام مرض آخر هو الغبن الموهوم، وهو شعور يطغى على الجاني يحس به أنه ضحية اعتداء وقع عليه من قبل ضحيته، أو أنه ضحية ظروف ظالمة؛ ما يؤدي إلى تراكم العدوانية ضد الضحية، وتفجير الحقد، واصطباغ العلاقة معها أو مع المحيط بصبغة اضطهادية يتحول العالم بسببها إلى وجود لا مكان للحب فيه. ويفجر هذا الإحساس (( رد فعل البراءة )) أي نفي المسؤولية فيما آلت إليه الأمور عن الذات، ونفي تهمة العدوانية. وهنا يتحول العدوان على الضحية أو المحيط إلى فعل مبرر ومشروع متخذاً صفة الدفاع عن النفس. كما يؤدي الشعور بالغبن المفروض إلى بروز الاتجاه الإنصافي، وكلاهما يؤدي إلى شرعنة العدوان على الغير وتبريره.

عقدة الخُصاء Castration complex الإحساس بالنقص والعجز عن توكيد الذات أمام الآخرين، يؤدي بصاحبه إلى الفشل لأنه يحس بانعدام الجدارة، أو انعدام الحق في النجاح الحياتي. وأرى – من خلال استشفاف ما كتبه علماء النفس، ومن خلال الملاحظة الذاتية – أن هذه العقدة تتولد بسبب التربية الخاطئة التي يمارس الأب أو من يقوم مقامه علاقة تسلطية شديدة تجاه الطفل، تفرض عليه احتراماً مفرطاً، وإحساساً بالعجز تجاه الأب. تنعكس هذه المشاعر اجتماعياً بالصورة نفسها تجاه أي سلطة أو رمز يقوم مقام الأب. إن كل نجاح أو تصرف لتوكيد الذات أمامه هو مضاهاة للأب، بينما هو ممنوع عليه أن يضاهيه أو يعبر عن نفسه معه؛ ولذلك يظل في وضعية العجز والقصور. وقد تكون الاستجابة ليس بالرضوخ وإنما بالإفراط في السلوك التعويضي على شكل مبالغة وتضخيم لمظاهر الذكورة والقوة والرجولة والإقدام إلخ… .

النُفاج Megalomania حالة من تضخم الذات الذي يأخذ طابع المبالغة الخرافية لقدراتها وممتلكاتها ومكانتها، بشكل يجعل المحيط يبدو منحسراً أمام الذات. إنه مبالغة في الادعاء لا تستند إلى أي إحساس من الواقع الذاتي أو الموضوعي. والنفاجي كائن مهووس بالعظمة وارتفاع الشأن، أو هو يقدم نفسه هكذا مباشرة بدون جهد فعلي للوصول إلى العظمة، فهو يبالغ في كل ما يمت إليه بصلة خصوصاً في تصوير قدراته. وقد يصل النفاج إلى حد هذيان العظمة، وادعاء ألقاب مفرطة في تفخيمها. والنفاج نوع من رد الفعل التعويضي على مشاعر نقص ذاتية شديدة. إنه رد فعل تمرد خرافي على العجز، بحيث يكون التضخيم الخارجي متوازٍ عموماً مع النقص الداخلي. تجد المثال واضحاً للنفاج عند الشخصية الفارسية النموذجية لدى (رجل الدين الشيعي) من خلال عمامته الكبيرة وألقابه الرنانة (آية الله العظمى، المرجع الأعلى للمسلمين، زعيم الحوزة، الإمام الأكبر… إلخ.

النكوص Regression نكص تعني: رجع من حيث أتى. والنكوص نفسياً يعني العودة إلى أساليب في التعبير والسلوك يفترض أن يكون المرء قد تجاوزها خلال نموه وتقدمه نحو النضج الراشد. وأوضح ما يكون عند الأطفال حين تعترضهم أزمات جدية، فقد يعود الطفل إلى الحبو بعد أن صار يمشي تشبهاً بأخيه الأصغر الذي صار محور اهتمام والديه. ويعود إلى التشبث بأمه بعد أن بدأ يستقل عنها. أو يقوم بمص أصابعه عسى أن يصيبه شيء من الحنان المفقود. أما عند الكبار فالنكوص يحدث كرد فعل على مآزق لا يجد له منها مخرجاً؛ فينكص إلى أساليب طفلية وأكثر بدائية في مجابهة الواقع كأنه يريد أن يرجع إلى مرحلة الصغر التي كان يجد فيها من يحل له مشاكله ويؤمن حاجاته دون تدخل منه، أو يقول: أنا أصغر من أن يجب عليّ أن أتحمل هذه المآزق أو المسؤوليات. ومن أمثلة النكوص لدى الكبار لجوء المناقش الهادئ الرزين – حين يفحم – إلى الصياح واللجاج والمكابرة. وارتداد العالم الرصين إلى التفكير الخرافي والحجة الأسطورية. ومن مظاهره السب والصراخ والتمارض والغيرة والعناد والبكاء عند الارتطام بالمشاكل، ومنه التحكم في الأهل والاصدقاء، والإعراض عن الزواج خوفاً من تحمل التبعات، والإسراف في الحنين إلى الماضي. كذلك فإن شدة القابلية للإيحاء أي سرعة التصديق وتقبله للآراء والأفكار دون مناقشة لها أو تمحيص كما يفعل الأطفال قد تكون فعلاً نكوصياً، وكما يتقبل العامي الشيعي آراء المرجع دون نقاش. التشيـيء Chosification هو اختزال وجود كائن إنساني إلى مرتبة الشيء. يتعلق هذا المصطلح بعمليات التبخيس التي تصيب قيمة الإنسان كآخر شبيه بنا ومعادل لنا في علاقة تكافؤ، فيحل محل الاعتراف بإنسانيته انهيار لقيمته في نظرنا. حتى تفقد هذه الإنسانية قدسيتها وما تستوجبه من احترام، وما تتطلبه من التزام تجاهها. يتحول الآخر في هذه الحالة إلى مجرد شيء، أو أداة، أو رمز، أو أسطورة، ويفقد خصوصيته كإنسان واستقلاليته كلياً ويدمج في مخططات مضطهده. ويتحول إلى شيء، إلى رمز مجرد للشر يجب إبادته. ومن أبرز الأمثلة عليه اليوم ما تفعله المليشيات الشيعية المقنعة بالقانون بأبناء السنة في العراق.

التفريج (= التنفيس أو التصريف) Catharsis هو تفريغ الشحنة العاطفية ذات الطبيعة المؤلمة، من خلال وضعية يثار فيها الوجدان، وتنبعث الأحزان إلى درجة تزول معها الضوابط الواعية، في حالة من المشاركة بين الشخص الذي يعاني وآخرين يتعاطفون معه. يعقبه عادة ارتياح عام وعودة السكينة إلى النفس التي تنقاد للتعبير عن المعاناة أو المأساة بحرية تسمح بتصريف كل التوتر المتراكم. كالمشاركة الوجدانية في حالات الموت. وأبرز مظاهرها ما يسمى بمواكب العزاء الحسيني وما يتخلله من جلد ولطم وتطبير يفوق الوصف. المصادر

1. الأصول من الكافي ، محمد بن يعقوب الكليني ، مكتبة الصدوق ، طهران ، 1381هـ 2. مصباح الفقاهة ، أبو القاسم الخوئي ، مطبعة الغدير ، الطبعة الثالثة ، 1371 3. لا بد من لعن الظلام ، الدكتور طه حامد الدليمي ، الطبعة الأولى ، بغداد ، 2005 4. التخلف الاجتماعي سيكولوجية الإنسان المقهور ، الدكتور مصطفى حجازي ، معهد الإنماء العربي ، بيروت – لبنان ، الطبعة السادسة 5. أصول علم النفس ، الدكتور أحمد عزت راجح ، المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر ، الاسكندرية 6. الثورة الإيرانية والتمدن الحديث ، جاك ميلوك 7. إيران مستودع البارود ، أدور سابيليه 8. الصراع العراقي الفارسي ، نخبة من المؤرخين العراقيين ، بغداد ، 1983 9. الشيعة والدولة القومية في العراق 1914-1990 ، حسن العلوي ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، إيران – قم. 10. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، أبو الحسن الندوي ، الطبعة العاشرة ، 1397 هـ ، 1977م ، دار الأنصار ، مصر 11. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، الدكتور علي الوردي ، مطبعة الإرشاد ، بغداد ، 1969 12. الموجز في التحليل النفسي ، سيجموند فرويد ، ترجمة سامي محمود علي وعبد السلام القفاش ، دار المعارف بمصر ، 1970 13. منهاج الصالحين ، أبو القاسم الخوئي ، مطبعة الديواني ، بغداد 14. الشهاب الثاقب في بيان معرفة الناصب ، يوسف البحراني ، قم ، 1419 15. علم النفس الاجتماعي، د. حامد عبد السلام زهران ، عالم الكتب ، القاهرة، الطبعة الخامسة ، 1984 16. دماء على نهر الكرخا ، حسن السوداني ، مطبعة الحضارة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1980 17. المتعة ، الدكتورة شهلا حائري ، شركة المطبوعات والتوزيع والنشر ، بيروت – لبنان ، الطبعة السابعة ، 1996 18. التشيع العلوي والتشيع الصفوي ، الدكتور علي شريعتي 19. الإسلام بين الشرق والغرب ، علي عزت بيجوفيتش ، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات ، الطبعة الأولى ، رجب 1414هـ 20. سيكولوجية الجماهير ، غوستاف لوبون 21. (الأنوار النعمانية) ، نعمة الله الجزائري ، مطبعة شركة بنجاب ، تبريز ، إيران 22. أساليب الإقناع وغسيل الدماغ ، جي. إي. براون. ترجمة الدكتور عبد اللطيف الخياط ، دار الهدى للنشر والتوزيع ، الرياض الطبعة الثالثة ، 1419هـ/1999م 23. الأستاذ الخميني في الميزان ، الدكتور موسى الموسوي 24. الطاغية ، د. إمام عبد الفتاح إمام . الطبعة الثالثة ، 1997 ، القاهرة 25. الحقد الفارسي لماذا ؟ المقدم عبد الجبار محمود السامرائي
26. الشيخ خزعل أمير المحمرة ، مجموعة من المؤلفين ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت – لبنان 27. الحياة الروحية ، محمد طه الكرمي ، مطبعة قم ، سنة 1386 28. المرتضى ، أبو الحسن علي الحسني الندوي ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الثانية، 1419هـ ، 1998م 29. الجيتو اليهودي ، الدكتورة سناء عبد اللطيف حسين ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الأولى ، 1419هـ ، 1999م 30. الشخصية الإسرائيلية ، دكتور حسن ظاظا ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الثانية ، 1410هـ ، 1990م

محتوى الكتاب

الإهداء المقدمة بين يدي الكتاب الوصفة غير مكتملة العناصر
الدواء مستورد ما خالف العامة ففيه الرشاد…؟! مرضى الوهم يسبوننا.. ويتهموننا..! الحرب التي أوقد نارها أصحاب النار في إيران الاحتلال الأمريكي للعراق أهل السنة لا يتحركون..! (الفتنة نائمة…)؟!!! تكفيريون إلى العظم يتهمون الغير بالتكفير صعوبات البحث ومعوقاته الفصل الأول منشأ الأمراض والعقد النفسية مبدأ استعادة التوازن Homeostasis التوافق وسوء التوافق الأزمات النفسية وصيد الإحباط الحيل الدفاعية الدوافع اللاشعورية التنويم المغناطيسي Hypnosis دوافع خفية (لا شعورية) تحكم الفرد عملية الكبت ودورها في إخفاء الدوافع من خصائص الدوافع المكبوتة الفصل الثاني الأمراض النفسية الجماعية التشخيص أساس العلاج الفصل الثالث دراسات في الشخصية الفارسية أهم الخصائص النفسية التي تميز الشخصية الفارسية نظرة تحليلية في جذور الأمراض النفسية الفارسية الفصل الرابع الأمراض والعقد النفسية في الشخصية الفارسية العلاقة بين النفسية (الفارسية) والشيعية (الفارسية) ظاهرة وليست عرقاً عقدة النقص وعقدة الاضطهاد وأثرهما في تكوين النفسية الفارسية أو الشيعية

حيلة (الإسقاط) وأثرها في التركيبة النفسية الشيعية ج 1. عقدة النقص منشأ عقدة النقص عند الفرس عقدة الدخالة العجمي والمستعجم عقدة النقص أو الدونية أصل كل العقد النفسية الشيعية 2. عقدة الحقد حقد مختص بالعرب إسقاط حقدهم على خصومهم يرضعون الحقد لأطفالهم يغذون الحقد لشعوبهم حقد شعوبي تعذيب أسرانا 3. عقدة الثأر والانتقام تغريدة الشيعة الغليان والتعبئة النفسية الدائمة عقيدة المهدي المنتظر بعد الاحتلال (الصليبي – المجوسي) للعراق

4. عقدة الاعتداء (العدوانية) العامل الجيو – سياسي اعتداء منهجي مقصود العلاقة مع بقية العقد الإحباط أمام الاجتياح الحضاري العربي الإسلامي الإحباط الناتج عن عقدة النقص وعقدة الاضطهاد الطبيعة السادو- مازوشية البحث عن الذات: أنت تتألم؛ إذن أنا موجود التوحد بالمعتدي من مظاهر التوحد بالمعتدي أو المتسلط شرعنة الاعتداء تشييء الآخر دور حيلة (الإسقاط) النفسية يتمسكن حتى يتمكن عدم التعايش مع الآخر الدوني إذا تمكن تساوي المثقف والعامي في التخلف النفسي لا علاج للنفسية المقهورة إذا تمكنت إلا القوة 5. عقدة الاضطهاد هذاء الاضطهاد يجلبون المآسي على أنفسهم الطقوس والشعائر الشيعية أسطورة اضطهاد (الأئمة) مقارنة مع الأئمة الأربعة………… الشيعي كاليهودي مخرب أينما حل ملحق في المشاركة الشيعية في الأجهزة الرسمية لدولة البعث 6. عقدة التخريب التخريب دين عدوانية موجهة إلى الخارج 7. عقدة التعصب سمات المتعصب الدوافع النفسية للتعصب من فمك أدينك الشعور بالتهديد الخارجي تضخم قيمة الجماعة 8. عقدة (السيد) عقدة النقص أو الدون هي الدافع عقدة الاضطهاد وعلاقتها بعقدة السيد احتقار الأمم لا سيما العرب شاهد أو مشهد مثير وشهد شاهد منهم على مثله المتسيد لا يحترم إلا من يذله ما ضعف العراق في التاريخ مرة إلا وغزاه الفرس 9. عقدة الاستخذاء عقدة النقص هي الأساس المضطهد يقدس القوة اجتياف عملية التبخيس 10. عقدة الشك قصة الملا ناصر الدين والحمال التوجس من كل شيء تفسير التاريخ 11. عقدة الغدر شواهد التاريخ وتتكرر الشواهد 12. عقدة الخداع والتضليل يخدع بعضهم بعضاً الرغبة الخفية بالانتقام 13. عقدة الكذب شاهدان من إيران
شاهدان من العراق قوم يشتكي الكذاب من كذبهم الجذور الكذب تسعة أعشار دين الفرس 14. عقدة اللؤم ونكران الجميل جذور اللؤم إنكار الإحسان وانقلاب آثاره التاريخ القديم الخميني الدجال التاريخ القريب بيت العنكبوت شواهد من واقع المجتمع المستعجم شاهد من عصر التغول الشيعي في العراق 15. عقدة التحلل الرذيلة هي العلامة الفارقة
استبطان التشيع الاثني عشري لرذائل الفرق الباطنية كلها إتيان الذكور فتاوى الفقهاء 16. عقدة الاستعراض المظاهر المبهرجة اختفاء المرجع الدعاوى الفارغة والتصريحات الرنانة إخفاء الذات المسيرات والمظاهرات 17. عقدة الصفاقة معالم الشخصية الصفيقة الصفاقة عند الفرس فضيلة وليست رذيلة هكذا تكشر الصفاقة عن سوءتها..! التلون وتعدد الوجوه 18. عقدة الذنب عقدة النقص والخجل من الذات اجتياف عملية التبخيس احتقار الأمثال والأتباع 19. تأليه الحاكم إسقاط عناصر الديانة الفارسية على الإسلام إسقاط صفات الملك الفارسي على المرجع الشيعي تشييع الخميني..! 20. العقلية الخرافية القهر والتعلق بأوهام الخلاص السحري التفكير الارتغابي Wishful thinking تركيبة متشابكة من العقد النفسية المركبة الفارسية وباء حديث (لو كان الإيمان عند الثريا…) الفصل الخامس التحليل النفسي لأهم عقائد وطقوس التشيع الفارسي الجذور الفارسية بشهادة الفرس أنفسهم 1. الإمامة 2. العصمة 3. المرجعية الدينية 4. تحريف القرآن 5. المِِهدي المنتظر 6. الرجعة 7. شفاعة أهل البيت 8. الغلو في أهل البيت 9. سب الصحابة 10. اتهام أهل السنة بكره (أهل البيت) 11. مخالفة أهل السنة 12. التقية 13. السجود على التربة والإسبال في الصلاة 14. زيارة المراقد وانتشار ظاهرة الأضرحة 15. المتعة والشذوذ الجنسي ونكاح المحارم 16. الخمس والحقوق الشرعية 17. النياحة ومراسيم العزاء الحسيني 18. التمسك الشديد بالتقاليد والبدع 19. تجميد التاريخ 20. الشعوبية والتآمر على الوطن ليسوا سواء الفصل السادس
الصلة النفسية بين الشيعة واليهود تشابهت قلوبهم فتشابهت عقائدهم المبحث الأول: تشابه عقائد الشيعة مع اليهود الدفعة الأولى: خمس عقائد مشتركة سلسلة من العقائد والطقوس المتشابهة وتفوقت الشيعة على اليهود والنصارى بثلاث خصال التعاون اليهودي – الإيراني (أو اليهودي – الشيعي) فضيحة إيران غيت الرئيس الإيراني يعترف رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليان يعترفان تصريحات ووثائق صحفية المبحث الثاني: المعالم النفسية لدى الشخصية اليهودية القسم الأول: الشخصية اليهودية من خلال الدراسات النفسية الحديثة دراسة الدكتورة سناء عبد اللطيف حسين في كتابها (الجيتو اليهودي) دراسات أخرى القسم الثاني: الشخصية اليهودية من خلال القرآن الكريم ورثة آدم وورثة إبليس المبحث الثالث: المنهج القرآني في التعامل مع اليهود المعالم الرئيسة للمنهج الفصل السابع المنهج الأمثل في مواجهة خطر التشيع مشكلة خطيرة فما هو الحل ؟ لا بد من المواجهة فماذا أعددنا لها ؟ صورة مجملة للمنهج المقاصد الكبرى للمنهج التخبط المنهجي عند النخبة السنية التحصين ثم.. التحصين التشابه بين الشيعة والمنافقين المعالم الرئيسة للمنهج القرآني في خطاب المنافقين قانونان: أحدهما لتغيير الفرد، والآخر لتغيير المجتمع أساليب عامة وأساليب خاصة

القسم الأول: الأساليب والمبادئ العامة

1. تبني القضية 2. التكرار والطرق المستمر 3. الصدع بالحق 4. التكامل 5. فضح الباطل وبيانه بالتفصيل 6. التأكيد على وجود عدو محدد
7. العلاج بالصدمة 8. الهجوم 9. النفرة 10. لا بد من المشكلة

11. تغيير المجتمع مقدم على زيادة العدد

12. الرد بالمثل 13. تكوين جماعة تتقدم الصفوف 14. صنع النموذج القدوة

وقفة مع غوستاف لوبون مؤسس علم نفس الجماهير

الروح الجماعية للجمهور الحياة اللاواعية للروح الجماعية للجمهور ضعف جدوى المحاججات العقلانية مع الجمهور ضرورة تكرار الفكرة وتأكيدها الزمن القسم الثاني: الأساليب والمبادئ الخاصة

أ. تمهيد الشيعة أكثر إدراكاً واستخداماً للأساليب الجماعية من أهل السنة

نفسية معقدة وقيادة مقنَّعة فهل من سبيل ؟ هل من أمل بالشفاء ؟ آثار العقد الفارسية على الأساليب الدعوية …. لا فائدة من الأساليب الترضوية

الأسلوب الشمولي في الخطاب القرآني

الهزيمة النفسية لدى أهل السنة تجاه الشيعة

لا تناقض بين الشجاعة الفردية والهزيمة النفسية الجمعية

المهزوم لا يأتي بحل دواء واحد فقط للعلاج ب. الأساليب والمبادئ

1. الخطاب القوي هو الدواء

2. فصل جمهور الشيعة عن مراجعهم …… 3. فضح تعلق الشيعة المزيف بـ(أهل البيت) 4. بيان بطلان (خمس المكاسب)

5. اتباع كل الوسائل الجماعية الأخرى هشاشة صف الخصم مصطلحات مهمة في علم النفس والأمراض النفسية

المصادر محتوى الكتاب

====================

كتابات عبدالله الفقير عن  الشيعة

عقدة ” الانتقائية

http://www.alrashead.net/index.php?partd=1&derid=1616

التخويف

نماذج من الذكاء الغبي لجماعة الحكيم !!

http://hanein.info/vb/showthread.php?t=145857

الخجل من العقيدة

http://www.djelfa.info/vb/printthread.php?t=74841

مسامير في نعش التشيع

اكبر عقد الشيعة والتي اثرت في “مورفولوجيا”عقولهم هو “الحكم”,فهو غايتهم وجلّ ما يبحثون عنه,وان كرههم لبني امية او بني العباس

http://hanein.info/vb/showthread.php?t=117783

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: