معاداة جون عبدالله فيلبي للصهيونية ذكرها الدكتور علي الوردي

تتناثر التعليقات والكتابات عن جون فيلبي فمنها ما هو ايجاب يومنها ما هو سلبي

لكن طالعت معلومة نشرها العالم العراقي علي الوردي  في كتاب اللمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث

و فيه القى الضوء  على بعض جوانب شخصية   عبدالله فيلبي

و تبين مواقف فيلبي ضد بريطانيا و الصهيوينة  و تزيل الضبابية  عن  التي حاول البعض القائها عليه

امضى فيلبي سنتين ونصف في وظيفته في شرقي الاردن ، وقد اختلف مع السر هربرت صموئيل المندوب السامي في فلسطين على نحو ما اختلف قبل ذلك مع السر برسي كوكس . فأستقال من وظيفته ، وكتب الى صديق له يذكر سبب استقالته حيث قال :” اني استقلت من هذا العمل لاسباب كثيرة جداً وفي مقدمتها اني لا اقدر ان اواصل العمل مع المندوب السامي الحالي الذي هو يهودي صهيوني والذي لا يستطيع ان يحفظ التوازن بين المصالح الصهيونية والعربية . اضف الى ذلك ان عبد الله قد خذلني باسرافه الذي وصل الى حد ادى الى تدخل الحكومة البريطانية ، وهذا معناه تدخل النفوذ الصهيوني . ولهذا خرجت”.

===

وفي نيسان 1924 منح فيلبي اجازة طويلة كمقدمة للاستقالة ، فغادر عمان في 17 منه ، وبعد ان تجول في تركيا ذهب الى انكلترا . وفي 28 تشرين الاول وصل الى جدة للتوسط في الصلح بين الملك علي وابن سعود – على نحو ما ذكرناه في الفصل السادس.

بعد استيلاء ابن سعود على جدة عاد فيلبي اليها ، وفتح محلاً تجاريا فيها . وقد حصل على وكالة فورد للسيارات ، كما استورد الات المسح وادوات الهندسة والمراوح التي تعمل بالنفط . وفي الوقت نفسه صار فيلبي مستشاراً لابن سعود وصديقاً ، وكان ابن سعود يثق به ويستمع الى نصحيته .

فيلبي مسلما

وان التقارير السرية التي كتبها القنصل البريطاني في جدة الى حكومته في تلك الفترة تدل على ان فيلبي كان يبدي نشاطاً ملحوظاً في بث الدعاية المضادة لبريطانيا وفي عرقلة مصالحها . ففي احد تقاريره يقول القنصل : ” ان فيلبي متمسك بكل عناد بديانته التي هي ديانة ثنوية تمثل بريطانيا فيها اله الظلام “. وفي تقرير اخر يقول : ” اني اعتقد ان وجود فيلبي في جدة لن يؤدي الى تحسين العلاقات بين بريطانيا وابن سعود “. وفي تقرير ثالث يقول : ” ان نشاط المستر فيلبي مستمر . ويبدو انه لا يضيع اية فرصة لخلق المصاعب لحكومة صاحب الجلالة البريطانية . ولست ادري ما هو قصده من ذلك ، هل هو لتملق المسؤولين هنا من اجل الحصول على امتيازات معينة ، ام من جراء كونه موظفاً سابقاً متذمراً يريد الانتقام من حكومته… . “

=== اسلامه

وقد اشار الى ذلك في مذكراته حيث قال ما نصه:

لقد اجتذبني الإسلام منذ أيامي الأولى في الهند، إذ تأثرت بما فيه من بساطة في تناول حقائق الحياة الخالدة وفلسفتها. وكنت قد توقفت منذ أمد طويل عن اكون مسيحياً واصبحت فيلسوفاً اتطلع إلى الحياة بنظرة فلسفية عميقة دون أن تكون لي أية معتقدات أو مشاعر دينية، على الرغم من اعترافي بان الديانة تؤلف لغالبية الناس ضرورة لا مناص منها. ومع ذلك فقد بدا لي أن الاسلام في الهند قد أصبح محاطاً بسلسلة من الطقوس والمظاهر الغريبة عنه، وهي طقوس ومظاهر لا يمكن للإنسان أن يتقبلها إلا بعد تمحيص دقيق. وعندما انتقلت إلى العراق وجدت طائفتها السنية كثيرة التعلق بالرسميات والمظاهر في اداء الفروض الدينية، بينما وجدت من الصعب أن أؤمن بالنظرية الشيعية التي تستند إلى الأئمة والأولياء. وعندما مضيت إلى السعودية اتصلت بما بدا لي الفكرة المبسطة عن الإسلام تستمد وحيها وإلهامها من القرآن الكريم وسنة الرسول الأعظم، وتبتعد عن النظريات والعقائديات الدينية المتشابكة والمعقدة. وبدا لي أن المذهب الوهابي هو الدين المثالي، ولم أجد في تعصب اتباعه ما يسوءني أو ينفرني، ورأيت أن مذهبهم يتفق مع حاجات الحياة البشرية والمجتمع في أبسط صورهما. واعتقدت أن الإسلام على هذه الطريقة هو المذهب الذي يستطيع الإنسان أن يتقبله قبولاً حسناً ويؤمن به إيماناً صادقاً كوكيل موجه للحياة والسلوك، وان مقاييسه الدينية تنسجم مع الحاجات الأساسية للبشرية أكثر من أي دين آخر. وإذا كانت فيه بعض الخشونة فإنه من الناحية الأخرى يرفض كل زيف وخداع، كما أنه يرى في تعدد الزوجات خير سبيل لمنع العهر والدعارة من سبيل الوصايا العشر”.

مهما كان الحال فقد أصبح إسلام فيلبي خبراً مثيراً في البلاد العربية والعالم، وكان معظم الناس في البلاد العربية يظنون أن إسلامه مصطنع لغرض التجسس أو الدس. وقد كتب إليه السر برسي كوكس يقول له: انه قام بحركة سيئة. كما انتقده السر آرنولد ويلسون في جريدة “الأوقات البغدادية”. أما زوجته “دورا” التي كانت حينذاك في انكلترا فقد انزعجت من إسلامه خشية ان يتزوج عليها امرأة أخرى، ولكنها تظاهرت أمام الناس بالرضا وقالت لهم: “أظن أنكم تعلمون انني الآن مسز عبد الله”.

انتهى لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث الدكتور علي الوردي

=========

مرت بفيلبي خلال الحرب العالمية الثانية فترة عسيرة جداً . فقد اتهمته حكومته بالميل الى المانيا النازية ، وحين ذهب الى الهند اعتقلته ونقلته الى بريطانيا ، وظل هناك طيلة الحرب . ويدعي فيلبي ان نوري السعيد هو الذي وشى به الى الحكومة البريطانية . ولما عاد فيلبي الى المملكة السعودية بعد اطلاق سراحه اهداه ابن سعود جارية جديدة من اصل بلوشي او فارسي اسمها  “روزي العبد العزيز”. وكانت هذه الجارية نحيلة قصيرة في السادسة عشر من عمرها ولكنها جميلة.

========

مهما اختلفت الاراء في فيلبي واهدافه في الحياة فهناك اتفاق بين الباحثين على انه كان نزيهاً مترفعاً عن الدنيا وقد كان في مقدوره ان يكسب الملايين من ابن سعود او من ابنه سعود كما فعل الكثيرون ولكنه مات ولم يملك من حطام الدنيا الا القليل والواقع انه افضل من اولئك الذين جمعوا الملايين، اذ هم تركوها لغيرهم يتنعمون بها وتحملوا اوزارها.

=========

النقل الكامل

من كتاب لمحات اجتماعية  من تاريخ العراق الحديث علي الوردي

============

«قصة الأشراف وابن سعود» لعلي الوردي (46)

عالم الاجتماع العراقي علي الوردي إن مؤلفه ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) شكل بالنسبة اليه «كتاب العمر». ولعل قارىء هذا السفر، المكون من 6 أجزاء في ثمانية كتب، سيجد ان ذلك الرجل الجليل لم يضيع عمره سدى. فهو من الاعمال العلمية النادرة في مملكة الكتاب العربي الذي تحول الى سفر شعبي في العراق، تتداوله ايدي عامة الناس فضلا عن المهتمين والمعنيين.

===

يتكلم عن ابن سعود

أولاده الذكور

بلغ مجموع أولاده الذكور أخيراً خمسة وأربعين ولداً، مات منهم عشرة وبقي خمسة وثلاثون. أما بناته فلا نعلم عن عددهن شيئاً. وكان آخر ولد لابن سعود ولد في عام 1947 عندما كان هو في الواحد والسبعين من عمره. ومما يذكر أن عدد أولاده وأحفاده، بما فيهم البنات، بلغ عند موته أكثر من ثلاثمائة.

ومن الجدير بالذكر أن ابن سعود لم يكن وحده محباً لكثرة الأنسال، بل كان يشبهه في ذلك بعض أبنائه وأخوته وأبناء عمه. ولهذا تكاثر عدد أفراد الأسرة السعودية بشكل يثير الدهشة، حتى قيل ان عدد الأمراء والأميرات من آل سعود بلغ مؤخراً نحو خمسة آلاف.

ان هذا العدد الكبير من الأمراء أصبح ظاهرة اجتماعية لها أثرها الكبير في المملكة السعودية. فهم صاروا طبقة متميزة تعيش فوق القانون. وقد توافر لدى أفراد هذه الطبقة من جراء تدفق النفط مال كثير يكاد لا يحصى. ولا حاجة بنا إلى القول ان اجتماع هذين العاملين – أي التميز الطبقي وتوافر المال – لابد أن يؤدي بطبيعته إلى الترف الباذخ والانهماك في الشهوات بلا حدود.

أعطانا المؤلف البريطاني هوارث في كتابه “ملك الصحراء” صورة عجيبة تكاد لا تصدق عن الترف والتبذير اللذين ابتلى بهما الأمراء السعوديون. وهو يذكر أن ابن سعود لم يكن يعرف عما كان يفعله أبناؤه إلا قليلاً، وكان إذا بلغه شيء عنهم يتملكه الغضب وقد يضربهم بالعصا. ولهذا كان في أواخر أيامه يشعر بالتعاسة العميقة.

يقول فيلبي في هذا الشأن ما نصه:

“كانت المشكلة الكبرى التي واجهها الملك – يقصد ابن سعود – في هذا التضخم الذي طرأ على الأسرة المالكة التي غدت تكوّن بمفردها طبقة خاصة قائمة بنفسها. وكانت لدى رجال الأمن أوامر شفوية بعدم التعرض للأمراء أو المساس بهم مخافة أن تنتشر أخبارهم بين الناس.. أما المشكلة الثانية التي ازدادت نتائجها مع الأيام فهي إغراق الملك في سخائه وعطاياه، وهو كرم عرف عنه منذ أيامه الأولى.. ولكن مع تكاثر الأموال والموارد وتوقع استمرارها في المستقبل أخذ سخاء الملك يفوق كل حدود الحكمة والعقل، ويبذر بذور الفساد في طريقه. وكان أول المنتفعين من هذا السخاء حتماً نساء الحريم والأمراء، ويتلوهم رجال البلاد والحاشية والموظفون. واشتدت الشهوة عند هؤلاء في الحصول على المال كلما زاد الملك إغداقاً عليهم في عطاياه، وبلغت الهبات حداً لم تعرفه أي بلاد في العصر الحديث. ولكن الملك نفسه لم يبدل طريقته البسيطة في الحياة، فقد ظلت ملابسه على ما كانت عليه، وقد ظل على غرامه بإنجاب الأطفال حتى اللحظة الأخيرة في حياته، وان كان آخر أولاده قد ولد في عام 1947.

كان الأمراء السعوديون يخشون أباهم في حياته، ولهذا كانوا يتكتمون في أفعالهم بمقدار جهدهم. فلما مات أبوهم في عام 1953 انطلقوا في الملذات ينهلون منها كما يشتهون. فلقد ذهب بموته الرادع الذي كانوا يخشونه أو يستحون منه.

يتداول الناس في المملكة السعودية قصصاً مذهلة عن مبلغ الانهماك في الشهوات الذي ابتلي به الأمراء بعد موت أبيهم. وربما كان في هذه القصص قسط من المبالغة أو التزويق، كما هي عادة الرواة في مثل هذه الأمور، إنما هي على اي حال قد لا تخلو من الحقيقة قليلاً او كثيراً. ان الانهماك في الشهوات امر طبيعي في الإنسان حين يغيب عنه الرادع ولا يشذ عن ذلك إلا القليل النادر من الناس.

فيلبي

لابد لنا في ختام هذا الفصل من إلقاء شيء من الضوء على حياة فيلبي، وهو الرجل الذي ارتبطت حياته بابن سعود ارتباطاً وثيقاً. والواقع ان هذا الرجل عاش غريباً ومات غريباً، وعده الكثيرون لغزاً من الألغاز.

ولد فيلبي في جزيرة سيلان عام 1885 من أبوين بريطانيين. ويروي فيلبي في مذكراته حادثة غريبة وقعت له في طفولته خلاصتها: انه ضاع من أمه وهو رضيع، وبعد البحث عنه وجدوا امرأة غجرية تحمل رضيعين في عمر واحد وبينهما تشابه عجيب كان هو أحدهما، فاسترجعوه من الغجرية. ويتساءل فيلبي في مذكراته: هل كان هو الذي استرجعوه، أم استرجعوا ابن الغجرية؟!

في عام 1904 دخل فيلبي في جامعة كمبردج، وأخذ يتجه في حياته الجامعية نحو الاشتراكية والحرية الفكرية. وحين تخرج من الجامعة في 1907 دخل في خدمة الحكومة الهندية. وفي 1910 تزوج من فتاة بريطانية اسمها “دورا”. وفي 1915 انضم إلى الحملة البريطانية في العراق، وعمل في البصرة والعمارة وبغداد حيث تعلم اللغة العربية.

وفي عام 1917 سافر فيلبي في بعثة سياسية إلى الرياض، فوصلها في 30 تشرين الثاني، وقابل ابن سعود، ثم عبر الصحراء بملابس عربية قاصداً جدة، فوصلها في 31 كانون الأول، وقابل الحسين فيها. وكانت سفرته تلك ذات اثر قوي في حياته إذ هو شعر بالتعاطف مع ابن سعود وأحب الصحراء والتغلغل في مجاهلها.

عند عودة فيلبي إلى العراق أوعز إليه بالسفر إلى الرياض مرة أخرى، فقابل ابن سعود للمرة الثانية، وقد سر به ابن سعود سروراً كبيراً، أو تظاهر له بذلك. وقد انتهز فيلبي الفرصة فتجول في الصحارى الجنوبية لاكتشاف مجاهلها وكان معه حرس مؤلف من عشرين رجلاً جهزه بهم ابن سعود. ثم عاد فيلبي من بعد ذلك إلى العراق.

في أواخر 1918 منح فيلبي اجازة يقضيها في بلاده، فوصل إلى انكلترا بعد غياب عنها أكثر من عشر سنوات. وبعد انتهاء إجازته قام ببعض المهام التي كلفته بها حكومته. وفي آب 1920 أمر بالعودة إلى العراق في معية المندوب السامي السر برسي كوكس، ولكنه لم يمكث في العراق طويلاً لأنه اختلف مع كوكس حول السياسة التي انتهجها في العراق، فقد كان فيلبي يدعو إلى إنشاء النظام الجمهوري فيه بينما كان كوكس مأموراً بتنصيب فيصل ملكاً. وقد اضطر كوكس أخيراً إلى نقل فيلبي إلى شرقي الأردن.

أمضى فيلبي سنتين ونصف في وظيفته في شرقي الأردن، وقد اختلف مع السر هربرت صموئيل المندوب السامي في فلسطين على نحو ما اختلف قبل ذلك مع السر برسي كوكس. فاستقال من وظيفته، وكتب إلى صديق له يذكر سبب استقالته حيث قال: “إني استقلت من هذا العمل لأسباب كثيرة جداً وفي مقدمتها أني لا أقدر أن اواصل العمل مع المندوب السامي الحالي الذي هو يهودي صهيوني والذي لا يستطيع أن يحفظ التوازن بين المصالح الصهيوينة والعربية. أضف إلى ذلك عبد الله قد خذلني بإسرافه الذي وصل إلى حد أدى إلى تدخل الحكومة البريطانية، وهذا معناه تدخل النفوذ الصهيوني. ولهذا خرجت”.

وفي نيسان 1924 منح فيلبي إجازة طويلة كمقدمة للاستقالة، فغادر عمان في 17 منه، وبعد أن تجول في تركيا ذهب إلى انكلترا. وفي 28 تشرين الأول وصل إلى جدة للتوسط في الصلح بين الملك علي وابن سعود – على نحو ما ذكرناه في الفصل السادس.

بعد استيلاء ابن سعود على جدة عاد فيلبي إليها، وفتح محلاً تجارياً فيها. وقد حصل على وكالة فورد للسيارات، كما استورد آلات المسح وأدوات الهندسة والمراوح التي تعمل بالنفط. وفي الوقت نفسه صار فيلبي مستشاراً لابن سعود وصديقاً، وكان ابن سعود يثق به ويستمع إلى نصيحته.

فيلبي مسلماً

ان التقارير السرية التي كتبها القنصل البريطاني في جدة إلى حكومته في تلك الفترة تدل على أن فيلبي كان يبدي نشاطاً ملحوظاً في بث الدعاية المضادة لبريطانيا وفي عرقلة مصالحها. ففي أحد تقاريره يقول القنصل: “إن فيلبي متمسك بكل عناد بديانته التي هي ديانة ثانوية تمثل بريطانيا فيها اله الظلام”. وفي تقرير آخر يقول: “إني اعتقد أن وجود فيلبي في جدة لن يؤدي إلى تحسين العلاقات بين بريطانيا وابن سعود”. وفي تقرير ثالث يقول: “ان نشاط المستر فيلبي مستمر. ويبدو أنه لا يضيع أية فرصة لخلق المصاعب لحكومة صاحب الجلالة البريطانية. ولست أدري ما هو قصده من ذلك، هل هو لتملق المسؤولين هنا من أجل الحصول على امتيازات معينة، أم من جراء كونه موظفاً سابقاً متذمراً يريد الانتقام من حكومته…”.

وفي شهر آب 1930 أعلن فيلبي اعتناقه للإسلام، وسمى نفسه “عبد الله”. وقد اختلفت الأقوال في السبب الذي حدا به إلى ذلك، فمنهم من قال ان مناخ جدة لم يلائم فيلبي، وقد أغمى عليه فيها صيفاً، فأراد الانتقال منها إلى بعض المدن السعودية الأخرى. كما أنه كان يطمح إلى تحقيق هدفه الأكبر وهو أن يكون اول من يخترق منطقة الربع الخالي، وقد وجد أن اعتناقه الإسلام يسهل عليه ذلك. وهناك من يقول ان سبب اعتناق فيلبي للإسلام هو حبه للنساء، ولاسيما الشابات منهن، وقد وجد في الإسلام وسيلة سهلة للتزوج بهن كما يشتهي.

أما فيلبي فيكذب هذه الأقوال كلها ويقول إنه إنما اعتنق الإسلام عن اقتناع وإخلاص. وقد اشار إلى ذلك في مذكراته حيث قال ما نصه:

“لقد اجتذبني الإسلام منذ أيامي الأولى في الهند، إذ تأثرت بما فيه من بساطة في تناول حقائق الحياة الخالدة وفلسفتها. وكنت قد توقفت منذ أمد طويل عن اكون مسيحياً واصبحت فيلسوفاً اتطلع إلى الحياة بنظرة فلسفية عميقة دون أن تكون لي أية معتقدات أو مشاعر دينية، على الرغم من اعترافي بان الديانة تؤلف لغالبية الناس ضرورة لا مناص منها. ومع ذلك فقد بدا لي أن الاسلام في الهند قد أصبح محاطاً بسلسلة من الطقوس والمظاهر الغريبة عنه، وهي طقوس ومظاهر لا يمكن للإنسان أن يتقبلها إلا بعد تمحيص دقيق. وعندما انتقلت إلى العراق وجدت طائفتها السنية كثيرة التعلق بالرسميات والمظاهر في اداء الفروض الدينية، بينما وجدت من الصعب أن أؤمن بالنظرية الشيعية التي تستند إلى الأئمة والأولياء. وعندما مضيت إلى السعودية اتصلت بما بدا لي الفكرة المبسطة عن الإسلام تستمد وحيها وإلهامها من القرآن الكريم وسنة الرسول الأعظم، وتبتعد عن النظريات والعقائديات الدينية المتشابكة والمعقدة. وبدا لي أن المذهب الوهابي هو الدين المثالي، ولم أجد في تعصب اتباعه ما يسوءني أو ينفرني، ورأيت أن مذهبهم يتفق مع حاجات الحياة البشرية والمجتمع في أبسط صورهما. واعتقدت أن الإسلام على هذه الطريقة هو المذهب الذي يستطيع الإنسان أن يتقبله قبولاً حسناً ويؤمن به إيماناً صادقاً كوكيل موجه للحياة والسلوك، وان مقاييسه الدينية تنسجم مع الحاجات الأساسية للبشرية أكثر من أي دين آخر. وإذا كانت فيه بعض الخشونة فإنه من الناحية الأخرى يرفض كل زيف وخداع، كما أنه يرى في تعدد الزوجات خير سبيل لمنع العهر والدعارة من سبيل الوصايا العشر”.

مهما كان الحال فقد أصبح إسلام فيلبي خبراً مثيراً في البلاد العربية والعالم، وكان معظم الناس في البلاد العربية يظنون أن إسلامه مصطنع لغرض التجسس أو الدس. وقد كتب إليه السر برسي كوكس يقول له: انه قام بحركة سيئة. كما انتقده السر آرنولد ويلسون في جريدة “الأوقات البغدادية”. أما زوجته “دورا” التي كانت حينذاك في انكلترا فقد انزعجت من إسلامه خشية ان يتزوج عليها امرأة أخرى، ولكنها تظاهرت أمام الناس بالرضا وقالت لهم: “أظن أنكم تعلمون انني الآن مسز عبد الله”.

ومن الجدير بالذكر أن ما كانت تخشاه “دورا” قد حصل فعلاً. فبعد مدة قصيرة من اعتناق فيلبي للإسلام كان جالساً في مجلس ابن سعود، فتحدث ابن سعود عن عزمه أن لا يتزوج بعد الآن أكثر من زوجتين جديدتين في كل سنة، فقال له فيلبي معاتباً: “لا تنس أني ليست لي سوى زوجة واحدة طيلة حياتي”. فرد عليه ابن سعود قائلاً: “إنك الآن بعد دخولك الإسلام سوف تستفيد من حرية أكبر في هذا الشأن”. وعلى اثر ذلك أهدى ابن سعود إلى فيلبي جارية صغيرة اسمها “مريم بنت عبد الله الحسن”. وقد كتب فيلبي إلى زوجته “دورا” يصف تلك الجارية بقوله: “إنها ليست جميلة على اية حالة، ولكنها شابة وحلوة إلى درجة كافية”.

=============

فيلبي بعد الحرب

مرت بفيلبي خلال الحرب العالمية الثانية فترة عسيرة جداً. فقد اتهمته حكومته بالميل إلى ألمانيا النازية، وحين ذهب إلى الهند اعتقلته ونقلته إلى بريطانيا، وظل هناك طيلة الحرب. ويدعي فيلبي أن نوري السعيد هو الذي وشى به إلى الحكومة البريطانية. ولما عاد فيلبي إلى المملكة السعودية بعد إطلاق سراحه أهداه ابن سعود جارية جديدة من أصل بلوشي أو فارسي اسمها “روزي العبد العزيز”. وكانت هذه الجارية نحيلة قصيرة في السادسة عشرة من عمرها ولكنها جميلة. أما جاريته الأولى فلا ندري ماذا صنع الدهر بها، وربما اعتقها فيلبي أو أهداها – والله أعلم!

كانت لفيلبي داران متواضعتان أهداهما له ابن سعود، إحداهما في الرياض والأخرى في مكة. وصار فيلبي يقيم في الرياض تارة وفي مكة تارة أخرى. وقد أنجبت له جاريته الجديدة أربعة أولاد مات اثنان منهم، وبقي اثنان هما: خالد وفارس. وكان فيلبي حريصاً على تربية هذين الولدين تربية عربية إسلامية.

يحدثنا أمين الميز: انه زار فيلبي في 24 كانون الأول 1954، في داره التي في مكة وكانت مجاورة للحرم، فوجد الدار بسيطة مكونة من طابق واحد، وكانت غرفة الاستقبال مؤثثة بأبسط الأثاث. وقد جاء إليه ولداه الصغيران خالد وفارسن فطلب فيلبي من خالد أن يذهب إلى أمه يدعوها للسلام على الضيف، فذهب خالد إلى أمه ثم عاد مكسور الخاطر وهو يقول بلهجة نجدية: “ما تبغي تجي”. ويقول المميز أنه صحب فيلبي بعد ذلك للصلاة في الحرم، فرآه يؤدي الصلاة بكل خشوع ويتلو الأدعية والآيات القرآنية من أعماق قلبه. ويعلق المميز على ذلك قائلاً: “فهو، والحق أشهد، مسلم مؤمن بكل معنى الكلمة”…

ظلت علاقة فيلبي بابن سعود حسنة حتى النهاية، ولما مات ابن سعود أخذت علاقته مع ابنه الملك سعود تسوء تدريجياً. وسبب ذلك أن فيلبي بدأ ينتقد الترف والتفسخ اللذين سادا المملكة في العهد الجديد، وكتب بعض المقالات حول ذلك في الصحف الأجنبية مما أغضب عليه الملك سعود وحاشيته. وفي أواخر نيسان 1955 أخرج فيلبي من البلاد.

ذكرت الحكومة السعودية للقائم بأعمال السفارة البريطانية في جدة الأسباب التي دعتها لإخراج فيلبي من البلاد، وهي: (1) نشره للشيوعية في داخل المملكة السعودية، (2) عمالته للصهيونية ودعوته لليهود، (3) دأبه في كتاباته على الانتقاص من منزلة الملك سعود بالمقارنة إلى أبيه، (4) استمراره على نشر المقالات في الصحف الأجنبية في انتقاد المملكة السعودية وسياستها، (5) إلقائه أخيراً سلسلة من المحاضرات على موظفي شركة أرامكو في الظهران تتضمن الطعن بالمملكة ورجالاتها.

اتخذ فيلبي بعد نفيه بيتاً له في قرية عجلتون في لبنان، واستدعى إليه من الرياض زوجته الجديدة وولديه خالد وفارس. وفي 7 أيلول 1955 وصلت الزوجة والولدان إلى مطار بيروت، فطلب منها فيلبي ان تسفر عن وجهها حالاً، فأطاعت أمره مرغمة.

أصبح إخراج فيلبي من المملكة السعودية محوراً لدعاية سيئة ضدها، وأخذت بعض الصحف البريطانية تنشر المقالات حول ما يجري في المملكة السعودية من تفسخ وتبذير. وقد ساهمت إذاعة بغداد في هذه الحملة مما أدى إلى توتر شديد في العلاقة بين العراق والمملكة السعودية. واضطر الملك سعود أخيراً إلى مصالحة فيلبي وإلى السماح له بالعودة إلى الرياض.

وفي صباح 30 أيلول 1960، عندما كان فيلبي في بيروت في زيارة عابرة لها، أصيب بهبوط بالقلب، فنقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية. وفي غروب ذلك اليوم لفظ فيلبي أنفاسه الأخيرة، وكانت آخر كلمة نطق بها هي: “أنا سئمت”. وفي ظهر اليوم التالي نقل جثمانه إلى مقبرة “الباشورة” الإسلامية في حي البسطة. ولم يكن في تشييع جنازته سوى عشرة اشخاص كان فيهم ولده الأكبر “كيم”. وقد أمر “كيم” أن ينقش على قبر أبيه هذه العبارة: “أعظم مكتشفي جزيرة العرب”.

مهما اختلفت الآراء في فيلبي وأهدافه في الحياة، فهناك اتفاق بين الباحثين على أنه كان نزيهاً مترفعاً عن الدنايا، وقد كان في مقدوره أن يكسب الملايين من ابن سعود أو من ابنه سعود، كما فعل الكثيرون، ولكنه مات ولم يملك من حطام الدنيا إلا القليل. والواقع أنه افضل من أولئك الذين جمعوا الملايين، إذ هم تركوها لغيرهم يتنعمون بها وتحملوا هم أوزارها.

دروس في التاريخ

عند صدور الأجزاء الأولى من هذا الكتاب أخذ بعض النقاد ينتقدونني على أني أصبحت مؤرخاً وأهملت الجانب الاجتماعي من التاريخ. مشكلة هؤلاء النقاد أنهم يفهمون علم الاجتماع فهماً محدوداً، أو مغلوطاً من بعض الوجوه. ان الحقيقة التي اود أن يعرفها هؤلاء النقاد هي أنه لا يوجد فاصل حدي يفصل بين التاريخ والاجتماع. فكلا الأمرين مترابطان، أو هما وجهان لشيء واحد.

قبل ربع قرن تقريباً كان بعض علماء الاجتماع يسيرون في دراساتهم على الطريقة التي يريدها هؤلاء النقاد، إذ هم كانوا إذا أرادوا دراسة مجتمع انكبوا على دراسة حاضره دون الاهتمام بدراسة ماضيه. وقد شاعت هذه الطريقة في الولايات المتحدة شيوعاً كبيراً، حيث كان العلماء يريدون أن يجعلوا من الاجتماع علماً كعلوم الطبيعة، ولهذا صاروا يستندون في دراستهم على مناهج الإحصاء والاستبيان وما أشبه. وقد تبين للكثيرين منهم مؤخراً أن طريقتهم هذه ناقصة وقد لا تصل بهم إلى نتيجة مجدية. انقل فيما يلي في هذا الشأن لعالم مشهور من علماء الاجتماع الأميركيين، هو الأستاذ روبرت نيسبت، ذكره في كتاب له صدر في عام 1970، حيث قال:

“ان الفجوة بين علم الاجتماع والتاريخ أخذت في السنوات الأخيرة تتقلص باستمرار، وهي الفجوة التي كانت موجودة لمدة طويلة ولاسيما في الولايات المتحدة الأميركية. ففي السنوات العشر أو العشرين الأخيرة صار المؤرخون ينتفعون من مفاهيم علم الاجتماع تدريجاً، وكذلك صار الاجتماعيون ينتفعون من المعلومات التاريخية.. ان أكبر منفعة جناها الاجتماعيون من التاريخ هي في موضوع التغير الاجتماعي..”.

بين الماضي والحاضر

الواقع ان الباحث الاجتماعي الذي يتجول في صفحات التاريخ قد يستمد منها دروساً لا تقل اهمية عن تلك التي يستمدها من التجول في أنحاء المجتمع. وبعبارة أخرى: ان تجول الباحث في الزمان لا يقل نفعاً عن تجوله في المكان، كلاهما يمده بالمعلومات الضرورية لفهم المجتمع البشري وطبيعة الإنسان.

خذ مثلاً حركة “الإخوان” التي استفحلت في نجد عقب الحرب العالمية الأولى، والتي درسناها على شيء من التفصيل في فصول سابقة. فإن هذه الحركة قد تعطينا دروساً اجتماعية لا تقل قيمه عن تلك التي نستمدها من دراسة ظاهرة اجتماعية معاصرة.

ان القارئ حين يرى مظاهر التعصب المفرط لدى الإخوان كتحريمهم للتفلون والتلغراف، أو للدراجة والطائرة، قد تتملكه الدهشة إذ هو لا يستطيع أن يتصور كيف يمكن للعقل البشري أن يهبط إلى مثل هذا المنحدر العجيب. ان القارئ لا يدري أن عقله لا يختلف عن عقل الإخوان في شيء، فكلاهما من طبيعة واحدة، ولكن الظروف التي ينشأ فيها العقل هي التي تجعله يفكر على هذا النمط أو ذاك. ولو ان القارئ كان قد نشأ في مثل تلك البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الإخوان لكان مثلهم في تفكيره وسلوكه، ولربما رأيناه يحمل السيف ليقتل به امثال كاتب هذه السطور!

إني أدركت في صباي أناساً في العراق كانوا يحرمون قراءة الجريدة ودخول المدرسة وتعلم اللغة الإنكليزية ولبس القبعة وحلق اللحية واستعمال الملعقة في الأكل. وفي عام 1924 صدر في النجف كتاب مطبوع لأحد رجال الدين هو الشيخ عبد الله المامقاني كان عنوانه: “السيف البتار في الرد على من يقول أن الغيم من البخار”. وشهدت في تلك الآونة رجلاً من العامة يعتدي على آخر لأنه سمعه يقول بأن المطر من البخار. وقد يعجب القارئ إذا علم أن خمسة كتب صدرت في العراق في موضوع تحريم حلق اللحية وهي: (1) “أرشاد أهل الحجي في حرمة حلق اللحى” لمحمد حسن كبة، (2) “تحريم حلق اللحية” لقاسم الجليلي، (3) “التفتيش في حلق الريش” لهبة الدين الشهرستاني، (4) “ذكرى ذوي النهى في حرمة حلق اللحى” لحسن الصدر، (5) “زينة الرجال – رسالة في إثبات حرمة حلق اللحية” لمحمد حسين الأديب. وربما كانت هناك كتب أخرى في هذا الموضوع لا نعرفها.

لا يجوز أن نلوم هؤلاء على ما قالوا أو فعلوا، فهم ليسوا إلا نتاج بيئتهم وظروفهم. ومن يدرس تاريخ الشعوب الأوروبية يجد أنها لم تكن تختلف عنا من هذه الناحية عندما كانت ظروفها تماثل ظروفنا.

ان العقل البشري يخضع في تفكيره للقوالب التي تصبها البيئة الاجتماعية فيه. فلو أن إنساناً نشأ في بيئة مليئة بالخرافات، وظل يعيش في تلك البيئة لا يعرف غيرها، لرأيناه يعتقد اعتقاداً جازماً بأن تلك الخرافات حقائق واضحة، وهو يعجب حين يجدنا لا نوافقه على معتقداته، وقد يحقد علينا ويضمر لنا الشر.

رأيت ذات مرة رجلاً يتحمس لعقيدته التي نشأ عليها تحمساً شديداً، فسألته: لو أنه كان قد نشأ في البلدة الفلانية، وهي بلدة مخالفة في عقيدتها لبلدته، فهل كان يتحمس لتلك العقيدة مثل هذا الحماس؟ فكان جوابه: “نعم بكل تأكيد لأن الحق واضح وضوح الشمس!”. انه لا يدري أنه لو كان قد نشأ في البلدة الأخرى لوجد الحق واضحاً في الجانب الآخر.

طبيعة الإنسان

إني حين أدرس أحداث التاريخ أشعر كأني أنظر إلى أحداث تجري في أيامنا. لا أنكر أن هناك فروقاً كثيرة بين أحداث الماضي والحاضر، ولكننا يجب أن لا ننسى أن هذه الفروق ظاهرة، أما الجوهر فهو واحد لا يتغير، واقصد به هذا الحيوان العاقل الذي يدعى “الإنسان”.

ان الإنسان قد تغير كثيراً في عاداته وأزيائه، وفي قيمه ومعتقداته، حسب تغير الزمان والمكان، إنما هو في أساس طبيعته لم يتغير، حيث بقي هو هو ذلك الحيوان المتعصب الذي عرفناه منذ قديم الزمان. وأرجح الظن أنه سيبقى كذلك إلى ما شاء الله.

اتفق الفلاسفة على أن أهم فرق بين الإنسان والحيوان هو العقل. ولكنهم اختلفوا في تعريف كنه هذا العقل وفي تحديد مجاله. فقد كان الفلاسفة القدماء يعتقدون أن العقل البشري قادر أن يدرك الحققة كاملة إذا تخلص من التعصب والأنانية والعاطفة وغيرها من معوقات التفكير الصحيح، وكانوا يتصورون أن التخلص من هذه المعوقات أمر يسير وأنه في مقدور أي إنسان أن يفعله إذا أراد.

قيل لهؤلاء الفلاسفة: إذا كان في مقدور الإنسان أن يتخلص من معوقات التفكير الصحيح كما تزعمون، فلماذا لم تتخلصوا أنتم منها؟! فنحن نراكم تختلفون فيما بينكم وتتنازعون كما يختلف العوام ويتنازعون. وهذا معناه أن عقولكم في أساس طبيعتها لا تختلف كثيراً عن عقول العوام.

أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن العقل البشري متحيز ومحدود بطبيعته، وان معوقات التفكير الصحيح كالتعصب والأنانية والعاطفة ليست طارئة عليه بل هي دوافع أصيلة فيه.

ان الإنسان قادر أن يكون منصفاً وموضوعياً في حكمه على أمر من الأمور إذا كان ذلك الأمر خارجاً عن نطاق تعصبه الاجتماعي أو مصلحته الخاصة أو عاطفته. ولا يكاد الأمر يدخل ف ينطاق هذه الدوافع، كلها أو بعضها، حتى نجد الإنصاف والموضوعية بدأتا تختفيان من ذهن الإنسان وعند هذا يصبح الإنسان كغيره من الناس ظالماً وهو يظن أنه عادل.

تمكن الإنسان الحديث من الصعود إلى القمر، ولكنه في الوقت نفسه ظل كما كان أسلافه منذ آلاف السنين يشن الحروب ويقترف الفظائع ويمارس التمييز العنصري والطائفي. فهو قد تقدم تقدماً عظيماً من ناحية، إنما هو من الناحية الأخرى ظل يراوح في مكانه.

رأينا الإخوان النجديين يقترفون الفظائع المنكرة وهم يحسبون أنهم سائرون على سنة الله ورسوله، فاعتبرنا ذلك منهم همجية تنافي الحضارة ثم جاءت الحرب العالمية الثانية بعدئذ فرأينا بعض المتحضرين لا يقلون همجية عن الإخوان، وربما تفوقوا عليهم من بعض الوجوه. فإن ما فعلوه في معسكرات الاعتقال وغرف الغاز والمذابح الجماعية ما يمكن ان يستنكره حتى الإخوان. يجب أن لا ننسى أن الإخوان كانوا يتيحون فرصة لمن يقع في أيديهم في أن يتوب من كفره ويستغفر الله عنه، وهم عند ذلك يعفون عنه ويقبلونه ويهنئونه بالإيمان. أما المتحضرون فلم يكونوا يقبلون توبة ولا استغفاراً!

ان الإنسان بوجه عام يكون طيباً بشوشاً نحوك حين تكون منسجماً مع دوافعه التي ذكرناها. إنما هو لا يكاد يراك معارضاً له فيها أو منافساً له عليها حتى تنقلب ابتسامته إلى تكشيرة، والويل لك حين يسلطه الله عليك.

نلاحظ هذا في الطفل البشري منذ سنواته الباكرة، فهو لطيف جداً معك لأنه يجد نفسه ضعيفاً تجاهك وهو يتوقع منك المنفعة والرعاية. غير انه لا يكاد يلمح طفلاً أضعف منه وبيده لعبة يلهو بها حتى يسرع إلى مهاجمته، ويلطمه وينتزع اللعبة منه قسراً، ثم يتركه يبكي دون أن يشعر بأية شفقة عليه.

اني اعتذر للقارئ لتكرار هذه الأقوال في كتبي مرة بعد مرة. فهي في نظري تتضمن حقيقة كبرى يجب علينا استيعابها لكي نفهم بها أحداث التاريخ وظواهر المجتمع.

ان الذي أردت قوله في هذه الخاتمة هو أن الدنيا سارت، وما زالت تسير، على وتيرة واحدة لا تتغير، ومن يريد أن ينجح فيها ينبغي أن يفهمها كما هي في الواقع لا كما يجب أن تكون.

=============

المصادر الاجنبية تتهم جون فيلبي  بمعاداة السامية و اليهود  وخائن لبريطانيا

Some authors have summarized Philby as a British traitor and an anti-Semite.[6][7] They suggest Philby never forgave the British government for ending his civil service career (due to sexual misconduct).[8] Once recruited by MI6, according to these authors, Philby used his intelligence assignment to take revenge on the British government.[9] With the extensive contacts he acquired as a British agent, Philby continued to betray British policy and resist all efforts at creating a Jewish homeland throughout his life. Philby disclosed classified British intelligence to Ibn Saud (King of Saudi Arabia) during wartime; he secretly helped secure American oil concessions in Saudi Arabia, double-crossing British competitors; he created economic partnerships, allied against British interests and in favor of Nazi Germany, with the help of Allen Dulles (later CIA Director); and Philby worked with Nazi intelligence to sabotage efforts at creating a Jewish homeland. [10]

6.^ Anthony Cave Brown, Treason in the Blood: Harry St. John Philby, Kim Philby, and the Spy Case of the Century, 1994, Houghton Mifflin.  7.^ John Loftus & Mark Aarons, The Secret War Against the Jews 21, 24, 32, 38, 41-44 (1994)  8.^ John Loftus & Mark Aarons, The Secret War Against the Jews, supra, at 23-26  9.^ John Loftus & Mark Aarons, The Secret War Against the Jews, supra, at 24  10.^ John Loftus & Mark Aarons, The Secret War Against the Jews, supra, at 24, 32, 38, 42-44

 

 

 

رد واحد to “معاداة جون عبدالله فيلبي للصهيونية ذكرها الدكتور علي الوردي”

  1. سالم Says:

    اجبار فيلبي على الاستقالة من منصبه كمدير للمخابرات الحربية في فلسطين الانتداب وذلك بسبب خلاف على الهجرة اليهودية إلى فلسطين
    ومما يؤكد انه كان معاديا لسياسة بريطانيا نجد انه ابن فيلبي و يدعى كيم تولى مناصب في المخابرات الريطانية حتى رشح رسمياً لرئاستها عام 1963
    ولكن المفاجاة كان عميل للسوڤييت ضد بريطانيا و كما يقال من شابه اباه ما ظلم عندما انقلب فيلبي على بريطانيا و انضم لخدمة ابن سعود

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: