القرني والعضيدان ضحيتان والمذنب هو: ثقافة حرية النقل المطلقة

القرني والعضيدان ضحيتان  والمذنب هو: ثقافة حرية النقل المطلقة

 

د.سعيد صيني

 

كلام موثق ولا أروع، خصوصا أن دكتورنا الخلوق عاد وقرأ الكتابين جزاه الخير وخرج بهذه النتيجة التي آمل من وزارة الاعلام النظر في هذه المقالة التي كتبها رجل قانوني متخصص.. عبدالعزيز قاسم

 

لقد حثني ما ورد في مشاركة “خبير وأكاديمي سابقا” على صرف بعض الوقت في موضوع الأستاذة سلوى العضيدان والدكتور عائض القرني. بل أجبرني على ذلك، ولاسيما قول الخبير الأكاديمي ” إما أن المواد المنشورة في حكم المشاع، ولا يعتبر أي منهما سارق،…أو أننا نعتبرها مواد غير مشاعة، منقولة بدون إذن من الناشر الأصلي وغير موثقة… فكلاهما سارقان”… “وأما إن تجرأ أحدهما فادعى بأنها ليست مواد شائعة وأنها ملكه وذهب يشتكي فيشبه حالة السارق الذي ذهب إلى القاضي يشكوا بأن أحدا سرقه ” مما سرقه هو من بيوت متعددة.

 

فحرصت على الحصول على نسخة من الكتابين، واستعراض المنشور عن القضية في المواقع الإلكترونية، والاطلاع على الاتصالات التي جرت بين الطرفين، وطريقة دفاع الأستاذة سلوى عن وجهة نظرها وردود فعل القرني وبعض محبيه. وسألخص الحقائق التي توصلت إليها أولا، ثم أناقش القضية وأعرض وجهة نظري فيها ثانيا.

 

ملخص الحقائق:

 

يمكن تلخيص الحقائق التي توصلت إليها فيما يلي:

 

أولا – في ظل كفاح العضيدان لتجميع مواد كتابها ووضع ابنها – شافاه الله- شعرت الأستاذة سلوى بألم واضح وبخيبة أمل كبيرة في قدوتها عندما تصورت واقتنعت بأن الدكتور عائض سرق منها 90% من كتابها، حسب معرفتها بأصول النقل وحقوق التأليف. وانعكس هذا الألم في إجابتها على رسالته إليها: “الدكتور الفاضل عائض القرني ناديتني بإبنتي الغالية فأعذرني إن لم أقل لك يا والدي الغالي لأن الوالد الغالي لا يتفرج على إبنته والعامة ينهشون عرضها ويقذفونها بأبشع التهم وهو يتفرج بصمت, والوالد الغالي لا تنام غيرته وهو يسمع أحدهم يقول لإبنته يا زنديقه يا فاجرة يا ساقطة يا فاسقة “أنت ما تسوين جزمة ” دون ان يحرك ساكنا…”!

ولا ألومها أو الدكتور القرني فثقافة حرية النقل المطلقة متفشية في عالمنا… فمما حدث قبل سنوات أن طالبة مجتهدة في إحدى الجامعات كانت تسجل محاضرات مدرس المادة، ثم عرضتها عليه ليبدي رأيه… ولم يخطر في باله أنها ستنشر محاضراته في كتاب باسمها، وتلغي حقه تماما. وفي حوادث كثيرة، منها أن إحدى المدربات جمعت مواد من مصادر مباشرة من أصحاب الحق بإذنهم، وقامت بتوزيعها على المتدربات، مع الإشارة إلى المصادر. فأخذت إحداهن المذكرة وصورتها وجعلت لها غلافا جميلا وضعت عليها اسمها وحذفت الإشارة إلى المصادر…

 

ومع هذا فإن الأستاذة سلوى لم تمحوا من ذهنها تقديرها للدكتور عائض ومكانته العلمية والدعوية… فقد كانت أهدته نسخة من كتابها وحصلت على ثناء عليه وعلى مؤلفته، فوضعته في غلاف الطبعة الثانية من كتابها مع صورته. ومما يلفت النظر في أسلوب دفاعها عن “حقها” أن ترفّعت عن أسلوب الشتائم والسباب والاستهزاء الشائع بين كثير ممن يتصورون أنهم يدافعون عن الحق، دون مواجهة بهتان شخصي مباشر. وهذا دليل على الخلق الكريم والرزانة في العقل. ومما له دلالة إيجابية أنها أوكلت مهمة التفاهم مع الخصم إلى زوجها الذي أثبت جدارته وحكمته… وأسأل الله أن يجعل جهودهما في ميزان حسناتهما يوم لا ينفع مال ولا شهرة، وأن لا يحرمهما رؤية الحق والصواب، ويكافئهما بشفاء ابنهما شفاء عاجلا. فهو على كل شيء قدير.

 

ثانيا – طريقة تجاوب الدكتور عائض الشخصية كانت متزنة وتعكس الحساسية العالية للتهمة وثقته في مشروعية عمله، ولكن أيضا يقظة ضميره الحاد، وإن كانت مبنية على مجرد الشك في مشروعية ما فعله عندما اتهمته العضيدان بالسرقة. وهذا يدل على أنه أهل لأن يكون داعية مرموقا، يستحق تقديرا كبيرا… وله – إن شاء الله – الأجر الأخروي العظيم لجهوده المتميزة والمخلصة… وأبرؤه من ردود فعل بعض محبيه الذين جرفتهم العاطفة الجياشة.

 

ثالثا – عند استعراض محتويات الكتابين رجعت بي الذاكرة إلى قراءات في الطفولة المتأخرة وفي سن الشباب المبكر، في القصص المبسطة، ومجلات الأطفال، مثل علي بابا، وسمير، … والعربي الصغير، وقافلة الزيت والمجلات المصرية المتنوعة، والمختار العربية أو الإنقليزية Reader’s Digest… فكثير من موضوعات الكتابين قرأتها في مصادر متعددة وبصيغ متعددة وفي منشورات متعددة، سواء بالعربية أو بالإنقليزية، خلال الأكثر من خمسين عاما.

وبعبارة أخرى، الكتابان من حيث المضمون يتناولان ويعتمدان على مضمونات شائعة نشرها مئات الناشرين. ويمكن تصنيفها ضمن الأخبار التي تقادمت وأصبحت مادة تاريخية مشاعة، ومضى على موت مؤلفي بعضها أكثر من خمسين عاما. ويقع بعضها ضمن الحكم والأمثال والقصص الشعبي التي لا مؤلف معروف لها أو أن من يملك حق نشرها مجهول. وهذه المواد ليس لأحد أن يدعي حق تأليفها أو نشرها. وأرجو من كل منصف يريد إبداء رأي في القضية أن يتصحف عينة عشوائية من الكتابين ليتأكد من هذه الحقيقة. ومن يدعي بأن مثل هذه المضمونات في كتابه هي من ممتلكاته سيواجه بالسؤال: هل حصلت على إذن بنشرها ممن يملك حق نشرها؟ ستكون الإجابة حتما: لا. فمعظم المواد المضمنة في الكتابين لا يعرف معظم الناس من يملك حق نشرها، بل ربما أن أصحاب المؤلفات المنقول منها لا يعرفون. ويمكن التأكد من الأحياء منهم.

 

رابعا – أما من حيث الشكل (الإخراج والترتيب) فكتاب القرني مرتب الأفكار بدرجة ملحوظة. فمثلا تجد العناوين المترابطة متتالية: حقيقة اليأس، اليأس في القرآن، حكم اليأس شرعا، تحكم اليأس، أسباب اليأس، أنواع اليأس، علاج اليأس… والقطع التي تدور حول الشخصيات مقسمة إلى: شرقيون، وغربيون. كما أن الكتاب يتميز بجمعه 10 قطع مستقلة متشابهة وردت مبعثرة في “هكذا هزموا اليأس” تحت عنوان واحد “بادئ ذي بدء”. أما كتاب الأستاذة العضيدان فيتميز بأنه يثبت أربعة وأربعين مرجعا، ومنها أربعة كتب للدكتور القرني، ولكن جاءت القطع التي تؤلف الكتاب بطريقة تلقائية. وجاء الحديث عن بعض الشخصيات مكررا بتكررها في المراجع التي نقلت منها. ويبدو أنها كانت تنقل ببراءة وعفوية من كتاب فتثبته، ثم تنقل من الكتاب الثاني فتثبته بعده… وبعبارة أخرى، كتاب “لا تيأس” مختلف من حيث الإخراج (العنوان وترتيب القطع المستقلة) عن كتاب “هكذا هزموا اليأس”؛ والكتاب الأخير مميز بإضافة قائمة للمراجع التي تم النقل منها. وما عدا ذلك فالكتابان يخلوان من التوثيق اللازم لمثل هذه النقولات، في حالة كونها معلومات لها حقوق تأليف، ولا أثر للتصاريح بنشرها من المنقولة منهم.

 

خامسا – بالنسبة للصياغة فلم أقم بفحص كاف للأسلوب، ولكن من استعراض بعض القطع في الكتابين والمقارنة بينها رأيت عبارات متطابقة وأخرى تزيد كلمة أو عبارة أو تم حذف الفقرات الأخيرة منها، والاستفادة المتبادلة واضحة. ويمكن اكتشاف درجة مطابقة القطع المستقلة (الأفكار أو النصوص، وترتيبها، والتعليق عليها وصياغتها) باستخدام برنامج مايكروسفت ويرد. (خطوات المقارنة في الملحق).

 

ولضيق الوقت قمت بالمقارنة بين بعض القطع المستقلة في كتب القرني التي نقلت منها العضيدان فوجدت تطابقا حرفيا وشبه حرفي، وأحيانا مع حذف بعض الفقرات. وقد استعنت في اختيار القطع بجدول يفيد بأن 22 قطعة (يمثل 22% من كتاب العضيدان) منقولة من كتب القرني حرفيا ما عدا ثلاث بشيء من التصرف. وعقدت مقارنة بين بعض القطع في الكتابين موضوع الشكوى، فوجدت التطابق نفسه. ويلاحظ أن التطابق وحده ليس دليلا كافيا على النقل أو السرقة من مرجع محدد في حالة هذه المضمونات الشائعة، وفي حالة انتشار ثقافة حرية النقل المطلقة.

 

ومن الواضح أن القرني يعتقد أن التأليف بالنسبة لكتابه وما يماثله هو عملية تجميع، وعبّر عن اعتقاده هذا بوضوح في مقدمة الطبعة الأولى من كتابه “لا تحزن” وفي رسالته إلى الأستاذة العضيدان. ومما يؤكد قناعة القرني بهذا الاعتقاد أنه اطلع على كتاب العضيدان الذي تضمن نقولات حرفية من كتبه، بدون إذنه، ولم ينكر عليها ذلك، بل أثنى على الكتاب ومؤلفته ثناء عاطرا. يقول في تعليقه على كتابها “قد عشت معه ساعات من المتعة والاستفادة وأشكر لك هذه المعرفة الغزيرة والثقافة المتينة مع حسن السبك والصياغة وجمال الأسلوب.”

 

كما أنه ورد في غلاف الطبعة السادسة لكتاب العضيدان تحت عنوان الكتاب عبارات: “قصص عظماء وتجارب إنسانية وحكايات واقعية”. وبمراجعة طريقة نقل العضيدان من المراجع التي نقلت منها، ومنها كتب القرني يتضح أنها توافقه في اعتقاده.

والسؤال: كيف تعترض العضيدان على الآخرين في اتباع طريقتها في النقل؟

 

بمراجعة خلفيات شكواها وشيئا من تفاصيل القضية يمكن الاستنتاج بأن الشكوى لم تكن اعتراضا على طريقة النقل، ولكن على حجم النقل. فالشكوى كانت مبنيية على افتراض أن القرني نقل 86 قطعة من كتابها الذي يتألف من 97 قطعة، أي استبعاد احتمال نقل القرني بعضها أو كثير منها من مراجع أخرى، وربما من بينها المراجع التي نقلت هي منها.

 

سادسا – يظهر أن أعضاء اللجنة المحكمة في الكتابين موضوع التحكيم لم يتمكنوا من قراءة عينة كافية من مواده. بل تبنوا شكوى العضيدان، وحاولوا التأكد من صدق دعواها باختبار بعض القطع والعناوين، ثم أصدروا حكما بالإدانة وإثبات “السرقة”، والعقوبة الصارمة. فغفلوا أو لم يتساءلوا عن احتمال نقل القرني بعض مضموناته من المراجع التي نقلت عنها العضيدان بنفس الطريقة الحرفية أو الشبه حرفية، أو من مراجع أخرى، وبدون توثيق مادامت المضونات واسعة الانتشار، فضلا عن سؤال صاحبة الشكوى عن الوثيقة التي تثبت ملكيتها لتلك المنقولات، غير تصريح الوزارة بنشر مؤلفها.

وقد أجد مبررات لأعضاء اللجنة فهم مرهقون بأعمال كثيرة، وليست هناك مكافأة مجزية لقاء الأعمال الإضافية وجهود المتعاونين من غير الوزارة. وكثير من أعضاء مثل هذه اللجان مسئولون عن إدارات، وتشغل مهامها أذهانهم ضعف ساعات الدوام الرسمي. بيد أن التهمة خطيرة، ولاسيما أنها ضد داعية كبير، وإن كان غير معصوم.

فالتهمة تقول: ” …وفي عملية حسابية بسيطة يتضح أن حوالي 90% من كتاب”لا تيأس” منسوخ من كتابي “نسخ ولصق”،

 

المناقشة والرأي:

 

في ضوء الحقائق السابقة التي تصور شخصية الأستاذة سلوى العضيدان وشخصية الدكتور عائض القرني، وطبيعة المؤلفات، وطريقة النقل من المراجع، والحكم الذي توصلت إليه لجنة وزارة الإعلام أقول، بعد استخارات متعددة، وبالله التوفيق:

 

أولا – أُصر على ضرورة تأهيل قضاة للنظر في مثل هذه القضايا، يحضر فيها المتنازعون أو محاموهم المؤهلون في الدفاع في مثل هذه القضايا. وأصر أن تكون الجلسات علنية أو شبه علنية، يمكن لغير الخصوم حضورها. فاللجنة “المحايدة” قد تفوتها تساؤلات كثيرة ذات أهمية، قد ينتبه إليها الخصوم أو ممثليهم أو…أثناء عرض القضية أمام القاضي. ومن التساؤلات الجوهرية للنظر في مثل هذه القضية (كتابان يجمعان نصوصا مقدسة وقصصا وأقوالا متناثرة) ما يلي:

 

1- هل المشتكي هو المالك الأصلي لحقوق تأليف جميع المضمونات المدعى سرقتها من كتابه؟ أو هل لديه تصريح من أصحاب الحق الأصليين؟

 

2- هل المادة تندرج في المعلومات المشاعة بسبب: 1) قدمها أي مضى على تأليفها ونشرها لأول مرة خمسين سنة بعد وفاة المؤلف حسب نظام المملكة؟ 2) أو لأنها تندرج في المشاع مثل الأخبار الحديثة أو التي تقادمت وأصبحت معلومات تاريخية عامة، كثرت الكتابة فيها وكثر نشرها؟ 3) أو لأنها تندرج في المعلومات التي ليس لها مؤلف معروف، مثل الحكم والأمثال والقصص الشعبية…؟

 

3- هل العنوان وطريقة ترتيب القطع المستقلة متطابقة؟ أم أن هناك اختلافا؟ وما درجة الاختلاف؟ فالاختلاف ودرجته يؤثران في حقوق المؤلفات التجميعية.

 

4- هل المنقولات تجارب شخصية أو شخصيات، ونصائح، وأقوال لم يسبق الجامع أحد في نشرها أو النشر عنها؟ أو أن صياغة المضمونات (القطع المستقلة) متميزة عن المرجع المنقول منه لدرجة لا تختلف عليها لجنة من ثلاثة أو أكثر فيستحق المؤلف عليه حقا؟ لأن التطابق حتمي بين جميع الناقلين من المرجع الواحد، إذا كان النقل حرفيا أو شبه حرفي…

 

5- هل التطابق يشمل: الإخراج والعناصر الرئيسة للقطعة (النصوص، والأحداث) والصياغة (ترتيب العناصر الرئيسة، والتعليق عليها)، وربما علامات الترقيم؟ ففي حالة ثبوت ذلك كله في القطعة المستقلة أو جزء كبير منها، فإن هذا العمل يعتبر اقتباسا مباشرا، يجب على المقتبس التنبيه إلى أنه اقتباس مباشر بوضعه بين علامات تنصيص أو الإشارة إلى ذلك، وتوثيقه بتحديد الصفحات واسم مؤلفه وشهرته وعنوان كتابه ورقم طبعته…(في الحاشية أو جزءا منه في الحاشية وتكملته في قائمة المحتويات). فالقوانين الإعلامية تتساهل في الاقتباس غير المباشر، ولا تتساهل مع الاقتباسات المباشرة. لهذا فإن انعدام هذه المعلومات تجعل عملية النقل سرقة لا شك فيها. ويلاحظ أن بعض القوانين الإعلامية تحدد حجم التوثيق المباشر وكونه متصل أو متفرق. فقد يجيز الاقتباس المباشر الكثير المتفرق، ولا يجيز الكمية نفسها إذا كانت متصلة. وقد يجيز نقل نسبة صغيرة من المنقول عنه، ولا يجيز النسبة الكبيرة. ويخضع تحديد النسبة المسموح بها لتقدير القاضي أو اللجنة المحكمة.

 

6- هل هناك احتمال أن الاثنين نقلا القطعة المتطابقة من مصدر واحد حرفيا أو شبه حرفي، وربما بعملية قص ولصق من موقع، أو بتكليف أحد بطباعة شيء منشور، فيقوم الطابع بطباعته كما هو بعلامات ترقيمه وأخطائه؟

 

7- هل هناك احتمال لنقل القطع المتطابقة من مصادر متعددة ومختلفة. فالمواد شائعة الانتشار، يكثر نشرها بالصيغة نفسها أو مختلفة نسبيا أو مختلفة بشكل ملحوظ مرات عديدة، وتحت أسماء مختلفة، وفي وسائل نشر متعددة، ولاسيما مع انتشار وباء ثقافة حرية النقل المطلقة، أي ثقافة النقل الحرفي وشبه الحرفي مع تجاهل أصحاب الحق الأصلي بالكلية أو نسبيا.

 

ثانيا – كنت قلت في مشاركة سابقة أن نوع حقوق التأليف في موضوع القضية الراهنة مختلف فيه لأنه معقد، وذلك لأن حق التأليف يرتكز على أسلوب التعامل مع المعلومات المشاعة، وليس على المضمون أو الموضوع. وهذا يتطلب دراسة وافية ومتأنية للإخراج وللمحتويات الأساسية (النصوص والأفكار) ولطريقة ترتيبها والتعليق عليها… فلو جعلنا الحُكم في التطابق أسماء الشخصيات وبعض المعلومات عنها، لحكمنا بإدانة مئات المؤلفين أو آلافهم، عبر القرون الطويلة لأنهم جميعا صادف أن كتبوا عن شخصيات بعينها. ولو جعلنا معيار التطابق الفكرة الجوهرية، مثل: اليأس والحلم، والكرم مع نصوص وأفكار تناسبها… لانتهينا إلى النتيجة نفسها، وربما كانت الحالة أكثر إثارة للاستنكار و…، لأن الإدانة ستكون عبر القرون والحضارات واللغات…

 

ثالثا – حكمت اللجنة بتغريم الدكتور القرني بملغ 330 ألف ريال، منها ثلاثمائة ألف تعويضا للأستاذة العضيدان، وسحب كتابه من الأسواق. وهذا –في رأيي الشخصي- بالنسبة للأي داعية في شهرته وفضله على قرائه أعظم من دية رقبة قُتلت عن عمد وإصرار. ولهذا أقول بصراحة من يريد إبراء ذمته أمام أحكم الحاكمين ومن يحب خيري الدنيا والآخرة لجميع الأطراف المعنية، وفي ظل الحقائق السابقة: “إن هذا الحكم غير موفق”، في قضية معقدة مث هذه، وإن كان بريئا من “التحيز”، وذلك للأسباب التالية:

 

1) تبنت اللجنة افتراض المشتكية، وتجاهلت احتمال نقل القرني بعض المحتويات أو كثير منها من المصادر التي نقلت منها العضيدان أو من غيرها، وبالطريقة نفسها التي لا ترى بأسا في النقل الحرفي أو شبه الحرفي، بدون استئذان المؤلف السابق أو توثيق كاف. والأصل أن تتثبت اللجنة من صحة هذه التهمة لأنها تمثل جوهر القضية. ولا يمكن التأكد من ذلك إلا أن يَثبت للجنة أن صياغة الأستاذة سلوى مختلفة بشكل واضح عن صياغة الأصل في مراجعها، وإلا أن تُثبت اللجنة أن الدكتور عائض لم يعتمد في القطع موضوع التهمة إلا على كتاب العضيدان. وبعبارة أخرى وبصراحة، إن الحصول على الأدلة القطعية في القضية مهمة صعبة جدا، بل مستحيلة، ولا يعلم الحقيقة إلا رب العالمين. ولهذا أقول: “إن الاثنين ضحايا، والمذنب هو ثقافة حرية النقل المطلقة”.

 

2) الحكم غير موفق لأنه يمرر تهمة عظيمة بحق داعية تحترم المشتكية علمه وجهوده الدعوية. فالأستاذة سلوى تتهم الدكتور عائض بأنه سطا على 90% من كتابها. وخطورة هذه التهمة أن المتهم من حقه أن يطالب بإثبات التهمة أو تطبيق عقوبة التهمة إذا لم تثبت بأدلة قطعية أو شبه قطعية، باعتباره قذفا.

 

3) يُعد الحكم قاسيا جدا ومبالغا فيه حتى إذا تم ترجيح أن التهمة ثابتة. فهو حكم يجني على المحكوم عليه، ويجني على آلاف القراء أو ملايينهم، ويجني على المحكوم لها. فالحكم قد يسهم في دخول مال حرام في جيبها. وأقول “قد” لأن الشخصية التي ارتسمت في ذهني للأستاذة سلوى العضيدان ولزوجها الكريم تجعلني أجزم بأنهما يترفعان عن إدخال مال مشكوك في مشروعيته في جيوبهما.

 

لهذا أقترح على لجنة وزارة الإعلام أن تقوم بمبادرة تُسجّل في سيرة أعضائها والوزارة فتجمع بين الأستاذة سلوى العضيدان والدكتور عائض القرني وبعض محبي الخير وإعادة النظر في الحكم الذي أصدرته، لتعيد الاحترام والتقدير المتبادل بين الكاتبين، ولإعادة الحق إلى نصابه، ولتصحيح المفهوم الشائع الخاطئ لحرية النقل من المؤلفات وللسرقة الأدبية التي تتعدد صورها وملاباساتها… وأنا واثق من قدرة المشتكي والمشتكى عليه والمشتكى إليه على قبول الحق. فأنا واثق من قدرتهم على هزيمة إبليس وأعوانه، وبإزالة يأس “المظلوم” من بينهم، وذلك بتنازل كل طرف عن حقه المتوقع أو المشكوك فيه.

 

وأسأل الله أن يجعل الدافع لبذل هذا الجهد هو الحرص على أن لا أكون من الذين يكتمون الشهادة فيعرضون أنفسهم لسخط الله.

ويسعدني أن يناقشني في رأيي المخلصون والمخلصات بطريقة تليق بالمسلم. فلست معصوما ولا أقوالي معصومة من الخطأ كعصمة كتاب الله وسنة نبيه الموثقة. أما إذا تجردت المناقشة من الأخلاق الإسلامية، فإني حريص على أن أكون من عبيد الرحمن الذين يجيبون: {… قالوا سلاما}.

 

 

هذا، والله أعلم, واسأل الله أن لا يعمي بصائرنا عن الحق والصواب أبدا، وأن لا يحرمنا حسن النية والقول والعمل، وأن يحفظنا من ظلم أنفسنا وظلم الآخرين.

 

سعيد صيني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: