أحداث مقر الجويهل سيناريو مصغر لما سيحدث للكويت

إذا لم تسُدِ الحكمة والتعقل
أحداث مقر الجويهل سيناريو مصغر لما سيحدث للكويت

كتب عبدالله محمد النيباري :

ما حدث مساء الاثنين في مقر السيد محمد الجويهل بالعديلية هو سيناريو مصغر لما قد يحدث للكويت في المرحلة القادمة، لا قدر الله، ما لم يسُد التعقل والحكمة والحزم في مواجهة ما نحن مقدمون عليه.
كشفت الحملة الانتخابية عن استقطاب حاد في البلد، وهو ليس استقطاباً حول برامج وخطط وسياسات لمعالجة قضايا البلد والمجتمع، كما هي الحال في انتخابات بلدان العالم الأخرى، كما هو حاصل الآن في الولايات المتحدة، حيث يجري الاستقطاب حول برامج معالجة الأزمة الاقتصادية. الكويت مجتمع حديث لا يمتد تاريخه إلى أكثر من أربعمائة سنة، وهو مجتمع مهاجرين جاءوا من الجزيرة العربية ومن المناطق المجاورة، طلباً للرزق، وأسسوا – بجهدهم وعرقهم – مجتمعاً نامياً ومتطوراً اقتصادياً بالمقارنة مع من حوله. وفي مرحلة ما قبل النفط كان الناس يكسبون رزقهم بالانخراط في الأنشطة الاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك، وهي الغوص وصيد السمك والرعي ثم تجارة النقل البحري، وازدهرت صناعة السفن. المشاركة في العمل في هذه الأنشطة الاقتصادية خلقت اندماجاً اجتماعياً بين مكونات المجتمع، فكان هنالك تجار ورؤوس أموال ونواخذة وبحارة وغواصون ومهنيون في التجارة والحدادة، فكانت طبيعية الاقتصاد هي الاعتماد المتبادل، فالإنتاج تطلب مشاركة المكونات الاجتماعية، ومن دون هذه المشاركة لا يوجد إنتاج.

ظهور النفط
بعد ظهور النفط تغير الوضع، فمع الانتعاش الاقتصادي المتولّد من إنتاج النفط وتصديره ازدادت الهجرة وارتفعت معدلاتها، لتستفيد من هذا الانتعاش الاقتصادي. تطورت الدولة وبدأت في إنشاء مؤسساتها لتوفير الخدمات، ويستفيد السكان – قديمهم وحديثهم – من الثمار التي وفرها النفط. واستعاضت الدولة وهي تكبر وتتضخم عن الاعتماد في تمويل أنشطتها ومصروفاتها البسيطة عما تحصّله من ضرائب أو ما شابهها على النشاط الاقتصادي إلى أن أصبح النشاط الاقتصادي يعتمد على إنفاق الدولة الممول من إنتاج النفط وتصديره. وتدريجياً، تحول السكان من مساهمين نشطين في جميع أصناف العمل إلى موظفين في الحكومة، غالبيتهم إداريون، وأصبح الوضع هو كيفية تقاسم النتائج المالية للثروة النفطية، أي أصبحنا جميعاً – ككويتيين – عالة على الدولة، وما نأخذه من دخل هو أقرب إلى المنح والهبات وأبعد ما يكون عن مكافأة مقابل عمل وإنتاج. هذا النمط الاقتصادي، والذي يصنف في علم الاقتصاد بأنه نمط ريعي، بقدر ما وفر أسباب ارتفاع مستوى المعيشة بكل أبعادها ولّد أيضاً مجتمع الاعتماد على هبات الدولة، ومن هنا انغرست بذرة الانقسامات الاجتماعية الفئوية بدل الاندماج بين مكونات المجتمع الذي يشترك جميع أفراده في الإنتاج. في معظم عقود القرن الماضي كانت الجهود تبذل لخلق نموذج مشاركة الناس في إدارة شؤون البلد مع الأسرة الحاكمة. وحققت تلك الجهود نتائج متقدمة بالمقارنة مع الجوار، بوجود مناخ الحريات ودستور ومجلس منتخب ومؤسسات اجتماعية.

تطورات سياسية
هذه التطورات السياسية في المنطقة انعكست على الكويت، فبعد أن كان المناخ السياسي يغلب عليه التوجه الإصلاحي الوطني التحرري الذي أسس للديموقراطية الدستورية، زحفت عليه الاستقطابات الاجتماعية، قبلية ومذهبية وعنصرية. وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف الحكم وغياب رؤية سديدة لإدارة شؤون الدولة، والتجاذب بين مشروع المحافظة على المشيخة ومشروع بناء الدولة. وأيضاً نحو الريع النفطي، وبهذا أصبح المشهد مهيئاً لما وصلنا إليه.
في هذا المناخ تأخذ المشكلات والقضايا الصغيرة حجماً كبيراً متضخماً، وأصبح الوضع خطراً لا يحتاج إلا إلى شرارة لإشعاله، منها هبوط لغة الخطاب في مجلس الأمة وفي الإعلام بما فيه وسائط التواصل الاجتماعي، وأصبح أقل اختلاف قابل لإشعال شرارة صراع نتيجة لتجذر الانقسامات الاجتماعية، القضية التي أثارها السيد جويهل حول مزدوجي الجنسية ولّدت ردود فعل لدى المكون القبلي، قضية تأبين مغنية أدت إلى تعميق الانقسام الطائفي،
استخدام أداة الاستجواب في مجلس الأمة وتصاعد حدة الخطاب في المجلس ولّّد شعورا لدى فئات واسعة في المجتمع بأن هنالك عناصر لا يهمها إلا التأزيم، سواء بقصد أو بحسن نية مبالغ فيه. وهكذا أصبح الفرز السياسي وما يترتب عليه من مواقف سياسية لا شأن لها بما هو الموضوع أو القضية المطروحة، بل بمن يطرحها. طبعاً، تضخم الفساد في ممارسات مؤسسة الحكم وسوء الإدارة وفر أدوات الصراع.

انتقام
الآن أصبحنا أمام حملة انتخابية، واصطفاف الناخبين ليس على أساس اختيار البرنامج الأفضل أو المرشح الأجدر، ولكن على أساس كيف ننتقم من الطرف الآخر. وهكذا أصبحنا أمام ظاهرة تأييد رباعي من المرشحين، رغبة في الانتقام من الطرف الآخر طرف المؤزمين وبرزت شعارات «إنتف ريشهم» «واقص ألسنتهم» وأصبحنا كأننا سننتخب مرشحين للدخول إلى حلبة مصارعة الثيران لا يهم ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى مزيد من التأزيم ومزيد من التكسير وربما إشعال البلد. رد الناخبين على من يرون أنهم عناصر تأزيم لا تكون بانتخاب أعواد ثقاب قابلة للاشتعال وحرق البلد، لأننا فقط نريد أن نرد عليهم ونبرد قلوبنا و«نفشّ» خلقنا فيهم. مثل هذا السلوك قد يكون للرد على تصرفات شخصية مؤذية، لكنه بالقطع لا يصلح لتصحيح وضع البلد. هل يصلح خطاب السيد جويهل الذي يستخدم تعبير: «الطراثيث» ومزدوجي الجنسية و«اللفو» لإصلاح الحياة السياسية، أم انه سيؤججها؟ وهل يصلح خطاب السيد محمد هايف والسيد وليد الطبطبائي وأمثالهما باستخدام تعابير الصفويين والروافض، والآن خطاب بعض المرشحين لتثبيت هوية المجتمع، هل هذه المفردات تنتج تصحيحا واصلاحا أم مزيدا من التأزيم؟ وهل كان المجتمع الكويتي بلا هوية لكي يأتينا من يريد أن يثبتها أو يحميها، وماذا سيضيف على ما جاء في المواد الأولى والثانية والثالثة من الدستور، التي نصت على أن الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة، وشعب الكويت جزء من الأمة العربية وأن دين الدولة الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية.

عناصر
فما العناصر الجديدة التي يريدون إضافتها؟ ثم ألا يحق لنا التساؤل عن دور القنوات الإعلامية التي أصبحت تبث هذه الخطابات الأكثر استفزازاً وتأجيجاً؟ أهكذا يكون دور الإعلام؟ ثم نتساءل: أين الدولة؟ وأين الحكم والحكومة؟ ألا يستشعرون من كل ما يحدث أن البلد تنجرف الى حقل ألغام؟ أين مؤسسة الحكم؟ وما دورها؟ ولماذا هي صامتة؟ أم أنهم راضون بما يحدث؟ قضية مزدوجي الجنسية التي أثارها السيد محمد جويهل منذ سنتين، وأكد أنه يملك مستندات وطبعاً هذه المستندات هي من أدراج الحكومة، وبالتالي هي تعلم أن هنالك أعدادا لا نعرف حجمها تحمل جنسيتين بالمخالفة لقانون الجنسية، فإما أن هذه المستندات غير موجودة، وما يقوله السيد جويهل عنها غير صحيح، أو أنها موجودة وبالتالي يجب على الحكومة أن تتخذ الإجراء القانوني في هذا الشأن. فلماذا السكوت على مدى سنتين أو أكثر. والشيء نفسه، يقال حول الايداعات المليونية في حسابات النواب المصرفية، فقد صرح أحد النواب على رؤوس الأشهاد أنه تلقى أموالا من بعض التجار ومن القيادة السياسية، ووزعها على الناخبين، وهذا مخالف، وربما جريمة بموجب نصوص قانون الانتخابات الذي يحظر على النائب أو المرشح منح مزايا أو فوائد أو حتى الوعد بها، ومع ذلك لم نر رداً أو موقفاً من الحكومة، فهل نحن أمام مخطط مجهول لدفع الناس للتململ من النظام الديموقراطي الدستوري والقبول بهدمه وتخريبه؟

عتب
ملاحظات صغيرة:
أعتب على النائب د. فيصل المسلم على تزكيته مرشح فساد.
النواب القبّيضة الذين تصدى لهم النائب المسلم قبضوا حوالي 100 مليون دينار، والمرشح الذي يزكيه حصل على أرض مساحتها 150 ألف متر مربع وقيمتها حوالي 200 مليون دينار بالمخالفة لقانون أملاك الدولة وللدستور أي حصل على ضعف ما حصل عليه كل القبّيضة.
الملاحظة الثانية للمرشحة صفاء الهاشم
تألقت السيدة صفاء بطلّتها البهية، وبأسلوبها الجذاب، لكن طرحها ابتعد عن الواقعية وشابه التناقض. فقد تحدثت عن الإنجازات في السنوات الست الماضية ثم انتقلت إلى شرح المآسي في إدارة الدولة، أما مشاريع حل مشكلة البطالة، فقد طرحت حل مشكلة بطالة الشباب بتمويل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر.
يا أخت صفاء لو خصصنا مليار دينار لهذا المشروع، ومنحنا 100 ألف دينار لكل مشروع فستمول عشرة آلاف شاب، بينما الداخلون إلى سوق العمل في الخمس عشرة سنة القادمة هو 500 ألف، فكيف نحل مشكلة الـ49 ألفا الآخرين؟

بقلم عبدالله النيباري

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: