معجزة التنمية في ماليزيا وفكر رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد

الفكر التنموي لمهاتير

تبنى مهاتير محمد المنهج التنموي ودفع بالمالايا نحو النهضة التنموية من خلال توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا لهم، كما دفع بهم لتعلم اللغة الإنجليزية، وقام بإرسال البعثات التعليمية للخارج وتواصل مع الجامعات الأجنبية، حاول بكل جهده في إطار سياسته الاقتصادية بتجهيز المواطن الماليزي بكافة الوسائل العلمية والتكنولوجية لكي يستطيع الانفتاح والتواصل مع العالم الخارجي والتعرف على الثقافات المختلفة، ثم بعد ذلك الدفع به إلى سوق العمل من أجل زيادة الإنتاج وخفض مستوى البطالة بين أفراد الشعب، حيث كان يهدف لتفعيل الجزء الأكبر من المجتمع الأمر الذي يعود على ارتفاع مستوى التنمية الاقتصادية للبلاد في نهاية الأمر، واستطاع أن يحول ماليزيا من دولة زراعية يعتمد اقتصادها على تصدير السلع الزراعية والمواد الأولية البسيطة مثل المطاط والقصدير وغيرها إلى دولة صناعية متقدمة، حيث شارك القطاع الصناعي والخدمي في اقتصادها بنسبة 90 %، وأصبحت معظم السيارات التي توجد بها صناعة ماليزية خالصة، وزاد نصيب دخل الفرد زيادة ملحوظة فأصبحت واحدة من أنجح الدول الصناعية في جنوب آسيا، كما أدى هذا التحول إلى تقوية المركز المالي للدولة ككل.

وأصبحت تجربة ماليزيا في النهضة الصناعية التي قامت بها تحت رعاية مهاتير محمد مثل تحتذي به الدول، ومادة للدراسة من قبل الاقتصاديين.

تعرض الزعيم الماليزي مهاتير محمد للعديد من الانتقادات على مدار حياته السياسية حيث وصفه البعض  بالديكتاتور ولكن جاء قرار استقالته وهو في قمة مجده لينسف هذا المعتقد حيث لم يستأثر بالحكم على الرغم من النجاح الساحق الذي حققه أثناء حكمه للبلاد، وظل مثيراً للجدل من قبل الغرب نظراً لتصريحاته اللاذعة الشديدة اللهجة دائماً.

وكانت أكثر هذه التصريحات جرأة وإثارة لغضب الغرب تلك التي كانت في القمة الإسلامية التي عقدت في ماليزيا حيث انتقد اليهود بشدة في كلمته التي ألقاها حيث أشار لسيطرتهم على القرار الدولي وقيامهم بإشعال نيران الحرب ضد المسلمين.

مؤلفات له وعنه

قام مهاتير محمد بتأليف كتاب ” معضلة الملايو” عام 1970م، وهو الكتاب الذي أثار ضجة وقام فيه بانتقاد الشعب المالاوي واتهمه بالكسل ودعا فيه الشعب لثورة صناعية تنقل ماليزيا من إطار الدول الزراعية المتخلفة إلى دولة ذات نهضة اقتصادية عالية، ولقد تم منع الكتاب من قبل منظمة المالايو القومية المتحدة ولكنه استطاع أن يتجاوز هذا وبدأ يظهر كشخصية سياسية لها فكر مختلف حتى وصل لرئاسة الوزراء عام 1981م.

كما قام بتأليف عدد آخر من الكتب منها كتاب ” صوت ماليزيا”، و”صوت آسيا – زعيمان أسيويان يناقشان أمور القرن المقبل” هذا الكتاب الذي قام بالمشاركة بتأليفه مع السياسي الياباني شينتارو اشيهار.

وقد قام عدد من المؤلفين والكتاب بتناول حياة الزعيم الماليزي مهاتير محمد والتجربة الماليزية سواء في مقالتهم أو كتبهم نذكر منهم الكاتب والصحفي الفلسطيني الدكتور عبد الرحيم عبد الواحد والذي قام بتأليف كتاب عنوانه ” مهاتير محمد .. عاقل في زمن الجنون ” حيث يستعرض فيه التجربة الماليزية والظروف التي عاشتها وكيفية تغلبها على الأزمات التي واجهتها، كما ركز في الكتاب على شخصية مهاتير محمد وفلسفته ورؤيته الاقتصادية والسياسية والإسلامية خلال فترة رئاسته للوزراء.

========

 عاشق التنمية مهاتير

بقلم: رياض حاوي

أنظر شرقا، عبارة مشهورة كان دائما يرددها رئيس الوزراء الماليزي السابق تون دكتور مهاتير محمد، وكان بذلك يعبر عن اقتناعه العميق أن نموذج التغيير الحضاري يمكن أن لا يكون غربيا متأثرا بقيم الغرب بل يمكن أن يكون شرقيا متأثرا بقيم الشرق.

ومهاتير واحد من الزعماء المخضرمين الذين ينتمون إلى الحقبة المزدوجة الفاصلة بين قوة العالم الثالث السياسية عبر تجمعات دول عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين التي انتهت نهاية الثمانينات، وصعود قوة العالم الثالث الاقتصادية التي جسدتها دول جنوب شرق آسيا مطلع التسعينات. مع مهاتير محمد تتجسد مهارة الزعيم الذي لم يخضع لسطوة الانبهار بالغرب (West)، ولم تكن تهمه المظاهر الشكلية بقدر ما كانت تهمه عملية البحث عن الممرات المختصرة في التاريخ للارتفاع بأمته من دولة هامشية تجهل عاصمتها إلى دولة مركزية فاعلة في المسرح الدولي وهي محط أنظار العالم.
لقد وضع رؤيته الشهيرة المعروفة في ماليزيا بعبارة “دو وا بولو دو وا بولو” أي “عشرين عشرين: 2020″ وهي السنة التي وضعتها الاستراتيجية بعيدة المدى التي تم تنفيذها بخطى متسارعة منذ 1981 والتي تجعل سقف سنة 2020 المنعطف الذي تصبح فيه ماليزيا دولة متطورة، وليس دولة في طور النمو. في ذلك الوقت جعل قدوته الشرق ولذلك كان يقول انظر باتجاه الشرق (look East) ويعني بذلك اليابان تحديدا.

في جلسة حميمية مع أحد أبرز الشخصيات السياسية الماليزية وهو تان سري سنوسي جنيد، حدثنا عن قصة طريفة عندما كان في زيارة مع مهاتير محمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق رونالد رجان، كان هذا الأخير ينظر لكل زائريه من العالم الثالث نظرة مليئة بالاستعلاء والغرور، اقترب من الضيف الماليزي وقال له أنظر أمامك ما تراه هما العمارتين الأطول في العالم يقصد برجي مركز التجارة العالمي WTC!! فرد عليه أب ماليزيا الحديثة: سيدي الرئيس أطمئنك أنه سيكون في ماليزيا قريبا ما هو أطول منهما. وبالفعل احتفظ مهاتير بوعده للرئيس الأمريكي وفي عام 1998 كانت ماليزيا على موعد مع تدشين العمارتين الأطول في العالم المعروفتين ببرجي بتروناس. وكلنا يعلم ما حدث فيما بعد للبرجين الأمريكيين ذات يوم من أيام سبتمبر 2001 لما أصبحا خبرا من أخبار التاريخ.

عندما افتتح مهاتير البرجين قال في كلمته :”اليوم نضع بين يدي الماليزيين معلما يجعلهم يرفعون رؤوسهم وينظرون عاليا”، ومرة سألته صحفية مشاغبة، سؤالا استفزازيا قائلة:”إن اقتصاد ماليزيا لا يزال هشا وهو أقل من أن يتورط في بناية ضخمة من حجم برجي بتروناس التوأمين” فرد عليها مداعبا:”مثلنا مثل المرأة الحسناء القصيرة التي تحتاج إلى لبس الكعب العالي حتى تظهر طويلة”.

حقائق التاريخ ماثلة أمامنا وتمدنا بالدروس اليومية لو كنا نعقل!! ذلك أن الشعوب عليها أن تنظر إلى مصالحها بالدرجة الأولى بغض النظر عن الألوان واللغات وكل ما تحمله الأيديولوجيات السخيفة التي تملئ العقول بالتصورات العدمية للكون والتاريخ والأحداث الإنسانية وتغفل عن الحقائق اليومية الملموسة المجسدة. واللذين لا يزالون يتمسكون بلووك واست (Look West) (انظر غربا) تخونهم الحقائق اليومية واتجاه التاريخ، وسيضيعون وقتا ثمينا على شعوبهم عوض وضعها في سكة الحضارة فإنهم سيدخلونها إلى متاهة الرومان القديمة التي ستقضي عليهم عطشا دون أن يجدوا المخرج.

بعض التافهين من بني جلدتنا يتصورون أن الشركات الأمريكية تنتقل إلى آسيا بسبب رخص اليد العاملة وانه ليست هناك قوانين تحمي الموظفين والمستخدمين ويغفلون عن أن أجر اليد العاملة جزء بسيط جدا من تكلفة الإنتاج خصوصا في الصناعات الأتوماتيكية التي تعتمد على الآلة والربوت، ولا تحتاج إلى يد عاملة كثيرة ولكنها بالمقابل في حاجة ماسة لليد العاملة النوعية، ذات الكفاءة العالية التي توفرها هذه الأسواق، لأنه وبكل بساطة حكومات هذه الدول أسست نهضتها المعاصرة بالأساس على دعم قطاع التعليم وتطوير قدرات شعوبها على استيعاب وتطوير التكنولوجيا المعاصرة. الحمقى وحدهم من يتصورون أن دور الصينين والهنود في مصانع دال (Dell) الامريكية او انتل (Intel) يقتصر على حراسة المبنى أو الرد على المكالمات الهاتفية وما لا يعلمونه أن هذه الشركات العملاقة أصبحت تجد صعوبة كبيرة في توظيف تقنيين ذوي مستوى عال من بحر المجتمع الأمريكي الذي انحط فيه التعليم إلى مستويات دنيا، وهم الآن على أبواب نقل وحدات البحث والتطوير (Research &Development) إلى الهند والصين وكوريا، ولعل هذا ما جعل رئيس مجلس إدارة شركة انتل، جرايج برات (Graig Barret) يعلق بحسرة على تدهور مستويات التعليم ويقول :”الولايات المتحدة لا تزال تبذل جهدا لدعم قطاع التعليم والبحث، ولكن إذا قارنا ذلك بالصين فإننا سنجد أنفسنا في وضعية صعبة بعد عشر سنوات” ، ويضيف:”نحن لا نملك كما من الخريجين يتناسب مع التطور السريع للصناعات المعاصرة، ولدينا ضعف كبير في البنية التحتية، ولا نملك أفكارا جديدة، ويتم اقتطاع نسبة هامة من الاستثمارات الموجهة لقطاع العلوم” ومقابل ذلك نجد إدارة الرئيس بوش تقول للشعب الأمريكي نحن نريد أن نغزو كوكب المريخ، بينما مقاطعة منهاتن الشهيرة لا تزال في حاجة إلى خدمات بسيطة لم يعد الاقتصاد العملاق قادر على توفيرها.

=====

وردت أهم أفكار “المقاربة المهاتيرية” في الكتاب الذي وضعه مهاتير محمد بعنوان “المعضلة الملاوية”، الذي تحدث فيه عن تهميش الملايو في عهد الاستعمار البريطاني، وانتقد بشدة استسلامهم لهذا التهميش، وبلور مهاتير في هذا الكتاب ما أصبح نظريته فيما بعد، واتجاها سياسيا ينتسب إليه، اسمه (المهاتيرية)، وتقوم أفكاره على تشكيك مهاتير في نوايا الغرب من العولمة، والدعوة إلى التحرر من النفوذ الاقتصادي والثقافي والسياسي الذي تمارسه الدول الغربية على ما تطلق عليه دول العالم الثالث.
 
النهضة العلمية والتكنولوجية الماليزية 

إن أهمية تجربة مهاتير محمد تكمن في أنه لم يكتف بوضع أفكار نظرية مجردة، بل ترجمها فعلياً في شكل سياسات قابلة للتنفيذ، قامت بتحويل ماليزيا من بلد زراعي يعيش على زراعة المطاط وتصديره، إلى نمر اقتصادي يعيش على تصدير التكنولوجيا، ويجني منها عائد صادرات قيمته 59 مليار دولار سنويا، ويحقق فائضاً في ميزانه التجاري قيمته 25 مليار دولار سنويا، ويصل دخله القومي إلي 215 مليار دولار.

كذلك فالمهاتيرية لها رؤية خاصة للديمقراطية الليبرالية، تؤكد على ضرورة التمييز بين الغاية والوسيلة، وأن الديمقراطية رغم أنها واحدة من أفضل النظم السياسية التي عرفتها الإنسانية، إلا أنها لا تعدو كونها وسيلة للحكم غير مأمونة العواقب بالضرورة، فقد تؤدي إلى الفساد وإساءة استخدام السلطة كغيرها من الأنظمة السياسية، كما أنها لا تمثل ضمانا حقيقيا لتحقيق الاستقرار السياسي أو التقدم، وفى أحيان كثيرة أدت إلى الفوضى وإعاقة التطور، كما كانت في أحيان أخرى سببا في تراجع معدلات التنمية”.

ويقوم التصور المهاتيري هنا على أولوية قضية التنمية على التطور الديمقراطي في المراحل الأولى من التطور الاقتصادي، وقد قام مهاتير محمد بصياغة تجربة التنمية الماليزية وفق هذا التصور، الأمر الذي أدى إلى تأجيل عملية التطور الديمقراطي إلى الآن، رغم النجاح الذي حققه المشروع التنموي.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 26 other followers

%d bloggers like this: